قال عمرو بن بحر الجاحظ: درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز، وحمد الاختصار، وذم الإكثار والتطويل والتكرار، وكل ما فضل عن المقدار.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، دائم السكت يتكلم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، وكان يبغض الثرثارين المتشدقين.
وكان يقال: أفصح الناس أسهلهم لفظًا، وأحسنهم بديهة.
والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل.
وقيل: العاقل من خزن لسانه، ووزن كلامه، وخاف الندامة.
وحسن البيان محمود، وحسن الصمت حكم.
وربما كان الإيجاز محمودًا، والإكثار مذمومًا. وربما رأيت الإكثار أحمد من الإيجاز. ولكل مذهب ووجه عند العاقل.
ولكل مكان مقال، ولكل كلام جواب. مع أن الإيجاز أسهل مراما وأيسر مطلبًا من الإطناب، ومن قدر على الكثير كان على القليل أقدر.
والتقليل للتخفيف، والتطويل للتعريف، والتكرار للتوكيد، والإكثار للتشديد. اهـ (رسائل الجاحظ، للجاحظ. 6/ 151 - 152) .
وقال أبو هلال العسكري في كتابه (الصناعتين)
قال أصحاب الإطناب: المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشدّه إحاطة بالمعاني، ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامّة إلّا بالاستقصاء؛ والإيجاز للخواصّ، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة، والغبى والفطن، والريض والمرتاض؛ ولمعنى مّا أطيلت الكتب السلطانية في إفهام الرعايا.
الحاجة إلى الإيجاز والإطناب.
والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام وكلّ نوع منه؛ ولكلّ واحد منهما موضع؛ فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه؛ فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ.
كما روي عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا.
ومتى كانت الكناية في موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا.
وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا في معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر؛ فقال للمختصر - وقد نظر في كتابه: ما أرى موضع مزيد.
وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان.
وقال غيره: البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. ولا شكّ في أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين في الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النّعم الحادثة، والترغيب في الطاعة، والنّهى عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب.