فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 766

وأما المسألة الثانية عشرة: وهي ماوجه تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى مع تلازم وصفي الغضب والضلال؟ فالجواب أن يقال: هذا ليس بتخصيص يقتضي نفي كل صفة عن أصحاب الصفة الأخرى، فإن كل مغضوب عليه ضال وكل ضال مغضوب عليه، لكن ذكر كل طائفة بأشهر وصفيها وأحقها به وألصقه بها، وأن ذلك هو الوصف الغالب عليهما، وهذا مطابق لوصف الله اليهود بالغضب في القرآن والنصارى بالضلال، فهو تفسير للآية بالصفة التي وصفهم بها في ذلك الموضع.

أما اليهود فقال تعالى في حقهم: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (البقرة: الآية 90) وفي تكرار هذا الغضب هنا أقوال:

أحدها: أنه غضب متكرر في مقابلة تكرر كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلّم والبغي عليه ومحاربته، فاستحقوا بكفرهم غضباً وبالبغي والحرب والصد عنه غضباً آخر.

ونظيره قوله: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} (النحل: الآية 88) فالعذاب الأول بكفرهم، والعذاب الذي زادهم إياه بصدهم الناس عن سبيله.

القول الثاني: أن الغضب الأول بتحريفهم وتبديلهم وقتلهم الأنبياء، والغضب الثاني بكفرهم بالمسيح.

والقول الثالث: أن الغضب الأول بكفرهم بالمسيح والغضب الثاني بكفرهم بمحمدصلى الله عليه وسلّم.

والصحيح في الآية أن التكرار هنا ليس المراد به التثنية التي تشفع الواحد بل المراد غضب بعد غضب، بحسب تكرر كفرهم وإفسادهم وقتلهم الأنبياء وكفرهم بالمسيح وبمحمد صلى الله عليه وسلّم، ومعاداتهم لرسل الله إلى غير ذلك من الأعمال التي كل عمل منها يقتضي غضباً على حدته. وهذا كما في قوله: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} (الملك: الآيتان 3 ـ 4) أي كرة بعد كرة لا مرتين فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت