أما المسألة الأولى: وهي فائدة البدل من الدعاء أن الآية وردت في معرض التعليم للعباد والدعاء وحق الداعي أن يستشعر عند دعائها مايجب عليه اعتقاده مما لا يتم الايمان إلا به إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون الا في لحم ودم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجاً بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوباً بالخير تصريحاً من الداعي بمعتقده وتوسلاً منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه، فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم، وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته.
فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضاً، والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه، فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان. ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين:
إحداهما: فائدة الخبر.
والثانية: فائدة لازم الخبر.
فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامتهـ
وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه، فهذه أربع فوائد: الدعاء بالهداية إليه، والخبر عنه بذلك، والإقرار والتصديق لشأنه، والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق؛ وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليه، وأن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبر مايطلب وتصور معناه، فذكر له من أوصافه ماإذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلباً له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له، فتأمل هذه النكت البديعة.
وأما المسألة الثانية: وهي تعريف الصراط باللام هنا فاعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ألا ترى أن قولك: جالس فقيهاً أو عالماً ليس كقولك: جالس الفقيه أو العالم، ولا قولك أكلت طيباً كقولك الطيب، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلّم: «أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق» . ثم قال: «ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق» فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه.