فهرس الكتاب

الصفحة 695 من 766

فإذا عرفت هذا فلو قال: اهدنا صراطاً مستقيماً لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط مامستقيم على الإطلاق، وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقاً إلى رضوانه وجنته، وهو دينه الذي لا دين له سواه، فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر، واللام هنا للعهد العلمي الذهني، وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال، فلم يكن بد من التعريف.

فإن قيل: لم جاء منكراً في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلّم {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: الآية 52) وقوله تعالى: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأنعام: الآية 87)

وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأنعام: الآية 161) ؟

فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفاً لهم، فلم يجئ معرفاً بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده، ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه، وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين، أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكري لفظي، وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع، فالتنكير هو الأصل، وهذا بخلاف قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطاً مستقيماً هدى إليه أنبياءه، ورسله وكان المخاطب سبحانه المسؤول من هدايته عالماً به دخلت اللام عليه، فقال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت