وقال السهيلي: إن قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح، ورأوا أن الرأي خلافه، وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله صلى الله عليه وسلّم أعلم، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلّم هذه الآية فلم يرد صراطاً مستقيماً في الدين وإنما أراد صراطاً في الرأي والحرب والمكيدة. وقوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: الآية 52) أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم، ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظاً من الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أن مادخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر طرف منه، وغير خاف مافي هذين الجوابين من الضعف والوهن.
أما قوله إن المراد بقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} في الحرب والمكيدة، فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسوله وأخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا ومافيها، ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطاً مستقيماً؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك، بل الصراط المستقيم ماجعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأنعام: الآية 161) ـ
ثم فسره بقوله تعالى {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: الآية 161) ونصب ديناً هنا على البدل من الجار والمجرور، أي هداني ديناً قيماً أفتراه يمكنه ها هنا أن يقول إن الحرب والمكيدة، فهذا جواب فاسد جداً.
وتأمل ماجمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا، وذلك خمسة أشياء:
أحدها: الفتح المبين.
والثاني: مغفرة ماتقدم من ذنبه وما تأخر.
والثالث: هدايته الصراط المستقيم.
والرابع: إتمام نعمته عليه.
والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح، فإن الهدى هو العلم بالله ودينه والعمل بمرضاته وطاعته، فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه.