فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 766

وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم، فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين، وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ فمن ناف محتج بهذه وبقوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء: الآية 69) فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، ولقوله لعباده المؤمنين {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} (البقرة: الآية 150) وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة، فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي.

ومن مثبت محتج بقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (النحل: الآية 18) ، وقوله لليهود: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (البقرة: الآية 47) ، وهذا خطاب لهم في حال كفرهم، وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} (النحل: الآيات 81 ـ 83) وهذا نص صريح لا يحتمل صرفاً.

واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله.

وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته، وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته.

وفصل الخطاب في المسألة: أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم، ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم، فهذه غير مشتركة، ومطلق النعمة عام مشترك، فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة أصاب، وإن أراد سلب مطلق النعمة أخطأ، وإن أراد المثبت إثبات النعمة المطلقة للكافر أخطأ، وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب، وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب، والله الموفق للصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت