فهرس الكتاب

الصفحة 701 من 766

فصل في قوله تعالى{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}

وأما المسألة الخامسة: وهي أنه قال: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم يقل المنعم عليهم، كما قال: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد، وفيه فوائد عديدة:

أحدها: أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف الفاعل وبني الفعل معها للمفعول أدباً في الخطاب، وإضافته إلى الله أشرف، فسمى أفعاله، فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها، ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول، فقال: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} ـ

وقال في الإحسان: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، ونظيره قول ابراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء: الآيات 78 ـ 80) فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء إلى ذكر المرض، قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ} ولم يقل أمرضني، وقال: {فَهُوَ يَشْفِينِ} .

ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} (الجن: الآية 10) فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب، وحذفوا فاعل إرادة الشر، وبنوا الفعل للمفعول، ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} (الكهف: 79) ، فأضاف العيب إلى نفسه.

وقال في الغلامين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا} (الكهف: الآية 82) ومنه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} (البقرة: 187) فحذف الفاعل وبناه للمفعول، وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: الآية 275) لأن في ذكر الرفث مايحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل، ومنه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (المائدة:3)

وقوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الأنعام: 151) إلى آخرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت