وأما المسألة التاسعة: وهي أنه قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} ولم يقل: لا المغضوب عليهم فيقال: لا ريب أن (لا) يعطف بها بعد الإيجاب، كما تقول جاءني زيد لا عمرو، وجاءني العالم لا الجاهل، واما غير فهي تابع لما قبلها، وهي صفة ليس إلا كما سيأتي.
وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف، وهذا إنما يعلم إذا عرف فرق مابين العطف في هذا الموضع والوصف، فتقول: لو أخرج الكلام مخرج العطف وقيل: صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم، لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم، كما هو مقتضى العطف، فإنك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل، لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل وإثباته للعالم، وأما الإتيان بلفظ (غير) فهي صفة لما قبلها، فأفاد الكلام معها، وصفهم بشيئين:
أحدهما: أنهم منعم عليهم.
والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم، فأفاد مايفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم، فإنه يتضمن صفتين صفة ثبوتية وهي كونهم منعماً عليهم، وصفة سلبية وهي كونهم غير مستحقين لوصف الغضب، وأنهم مغايرون لأهله.
ولهذا لما أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنها يزول منها معنى الوصفية المقصود.
وفيها فائدة أخرى وهي: أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام، فكأنه قيل لهم: المنعم عليهم غيركم لا أنتم، وقيل للمسلمين: المغضوب عليهم غيركم لا أنتم، فالإتيان بلفظة (غير) في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة، فتأمله وتأمل كيف قال: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ} ولم يقل: اليهود والنصارى مع أنهم هم الموصوفون بذلك تجريداً لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم، ولم يكونوا منهم بسبيل، لأن الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال، فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال، فتبارك من أودع كلامه من الأسرار مايشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد.
وأما المسألة العاشرة: وهي جريان (غير) صفة على المعرفة، وهي لا تتعرف بالإضافة، ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن (غير) هنا بدل لا صفة، وبدل النكرة من المعرفة جائز، وهذا فاسد من وجوه ثلاثة: أحدها: أن باب البدل المقصود فيه. الثاني والأول توطئة له ومهاد أمامه، وهو المقصود بالذكر لقوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (آل عمران: الآية 97) المقصود هو أهل الاستطاعة خاصة، وذكر الناس قبلهم توطئة، وقولك: أعجبني زيد علمه، إنما وقع الإعجاب على علمه وذكرت صاحبه توطئة لذكره، وكذا قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} (البقرة: الآية 217) المقصود إنما هو السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن نفس الشهر، وهذا ظاهر جداً في بدل البعض وبدل الاشتمال، ويراعى في بدل الكل من الكل، ولهذا سمي بدلاً إيذاناً بأنه المقصود بقوله: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} ، (سورة العلق: الآيتان 15 ـ 16) المقصود لنسفعن بالناصية الكاذبة الخاطئة وذكر المبدل منه توطئة لها.