وإذا عرف هذا فالمقصود هنا ذكر المنعم عليهم وإضافة الصراط إليهم، ومن تمام هذا المقصود وتكميله الإخبار بمغايرتهم للمغضوب عليهم، فجاء ذكر غير المغضوب مكملاً لهذا المعنى ومتمماً ومحققاً، لأن أصحاب الصراط المسؤول هدايته هم أهل النعمة، فكونهم غير مغضوب عليهم وصف محقق، وفائدته: فائدة الوصف المبين للموصوف المكمل له، وهذا واضح.
الوجه الثاني: أن البدل يجري مجرى توكيد المبدل وتكريره وتثنيته، ولهذا كان في تقدير تكرار العامل وهو المقصود بالذكر كما تقدم فهو الأول بعينه ذاتاً ووصفاً، وإنما ذكر بوصف آخر مقصود بالذكر كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولهذا يحسن الاقتصار عليه دون الأول ولا يكون مخلاً بالكلام، ألا ترى أنك لو قلت في غير القرآن لله حج البيت على من استطاع إليه السبيل لكان كاملاً مستقيماً لا خلل فيه، ولو قلت في دعائك: رب اهدني صراط من أنعمت عليهم من عبادك، لكان مستقيماً، وإذا كان كذلك فلو قدر الاقتصار على (غير) ومافي حيزها لاختل الكلام وذهب معظم المقصود منه، إذ المقصود إضافة الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم لا إضافته إلى غير المغضوب عليهم، بل أتى بلفظ (غير) زيادة في وصفهم والثناء عليهم، فتأمله.
الوجه الثالث: أن (غير) لا يعقل ورودها بدلاً وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالاً.
وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها، ولهذا قلما يقال: جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو، والبدل لابد أن يكون مستقلاً بنفسه كما تبين أنه المقصود، ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلماً ومرقاة إليه، فهو موضع قصدك ومحط إرادتك، وفي باب الصفة بخلاف ذلك إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته، فاجعل هذه النكتة معياراً على باب البدل والوصف، ثم زن بها غير المغضوب عليهم هل يصح أن يكون بدلاً أو وصفاً؟
الجواب الثاني: أن (غير) هاهنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين، ففيه رائحة من النكرة لإبهامه، فإنه غير دال على معين، فصلح وصفه بغير لقربه من النكرة، وهذا جواب صاحب (الكشاف) ـ
قال: فإن قلت: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني