فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 766

(فصل: لَا شَيْء أَنْفَع للقلب من قِرَاءَة الْقُرْآن بالتدبر والتفكر فَإِنَّهُ جَامع لجَمِيع منَازِل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين)

وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شَيْء أَنْفَع للقلب من قِرَاءَة الْقُرْآن بالتدبر والتفكر فَإِنَّهُ جَامع لجَمِيع منَازِل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين وَهُوَ الَّذِي يُورث الْمحبَّة والشوق وَالْخَوْف والرجاء والإنابة والتوكل وَالرِّضَا والتفويض وَالشُّكْر وَالصَّبْر وَسَائِر الأحوال الَّتِي بهَا حَيَاة الْقلب وكماله، وَكَذَلِكَ يزْجر عَن جَمِيع الصِّفَات والأفعال المذمومة وَالَّتِي بهَا فَسَاد الْقلب وهلاكه فَلَو علم النَّاس مَا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن بالتدبر لاشتغلوا بهَا عَن كل مَا سواهَا فَإِذا قَرَأَهُ بتفكر حَتَّى مر بِآيَة وَهُوَ مُحْتَاجا إِلَيْهَا فِي شِفَاء قلبه كررها وَلَو مائَة مرّة وَلَو لَيْلَة، فقراءة آيَة بتفكر وتفهم خير من قِرَاءَة ختمة بِغَيْر تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حُصُول الإيمان وذوق حلاوة الْقُرْآن وَهَذِه كَانَت عَادَة السّلف يردد أحدهم الآية إلى الصَّباح وَقد ثَبت عَن النَّبِي أنه قَامَ بِآيَة يُرَدِّدهَا حَتَّى الصَّباح وَهِي قَوْله {إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم} فقراءة الْقُرْآن بالتفكر هِيَ أصل صَلَاح الْقلب.

وَلِهَذَا قَالَ ابْن مَسْعُود"لا تهذوا الْقُرْآن هَذَا الشّعْر وَلَا تنثروه نثر الدقل، وقفُوا عِنْد عجائبه وحركوا بِهِ الْقُلُوب، لَا يكن هم أحدكم آخر السُّورَة"

وروى أبو أيوب عَن أبي جَمْرَة قَالَ قلت لِابْنِ عَبَّاس: إني سريع الْقِرَاءَة إِنِّي أقرأ الْقُرْآن فِي ثَلَاث.

قَالَ لأن أقْرَأ سُورَة من الْقُرْآن فِي لَيْلَة فأتدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن اقْرَأ الْقُرْآن كَمَا تقْرَأ.

والتفكر فِي الْقُرْآن نَوْعَانِ تفكر فِيهِ ليَقَع على مُرَاد الرب تَعَالَى مِنْهُ.

وتفكر فِي مَعَاني مَا دَعَا عباده إلى التفكر فِيهِ.

فالأول تفكر فِي الدَّلِيل القرآني.

وَالثَّانِي تفكر فِي الدَّلِيل العياني.

الأول تفكر فِي آيَاته المسموعة، وَالثَّانِي تفكر فِي آيَاته المشهودة، وَلِهَذَا أنْزلْ الله الْقُرْآن ليتدبر ويتفكر فِيهِ وَيعْمل بِهِ لَا لمُجَرّد تِلَاوَته مَعَ الإعراض عَنهُ.

قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ"أنْزلْ الْقُرْآن ليعْمَل بِهِ فاتخذوا تِلَاوَته عملا"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نصه في مسن الإمام أحمد - رحمه الله -

"إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ"، قَالَ:"فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ"قَالَ:"وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا؟"قَالَ:"فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ"قَالَ:"فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ"، قَالَ:"وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ"قَالَ:"وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت