يتلخص عملي في جمع هذه المادة القيمة في نقاط، أهمها:
1 -في بادئ الأمر جمعت المادة العلمية للعلامة ابن القيم - عليه سحائب الرحمة والرضوان - في سبعة عشر مجلدا، ثم بدا لي أن أزيد في الخدمة فزينتها بتعليقات فائقة، ورصعتها بتحريرات شائقة - وإن طالت - لبعض أقطاب المفسرين وأئمتهم - رحمهم الله أجمعين - فاحرص على مطالعتها فقد حوت لطائف وفرائد وأسرار، الواحدة فيها خير من الدنيا وما فيها، يندر وجودها مجتمعة في غير هذا الكتاب، والقرآن - كما هو معلوم - لا تنقضي عجائبه، فهو بحر لا قعر له ولا ساحل، وكلٌّ يغترف منه على قدره، تعالى وتعاظم قائله، وجلَّ وعزَّ منزله القائل (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(27) .
وقد بلغ الكتاب بعد هذه التعليقات إلى اثنين وعشرين مجلدا.
2 -جعلتُ جمع أنفس النفائس من المادة العلمية لابن القيم - رحمه الله - في موضع واحد هدفا من أسمى وأهم أهداف هذا الكتاب، فلا تلمني إن خرجت عن طور التفسير - مع إقراري بأني محل وموضع للوم والتقصير -، لكن ما حوته كتب ابن القيم من ألفاظ رائقة، ومعاني شائقة قد يشفع للمقصرين أمثالي، ولذلك فقد اجتهدت في جمع بعض المواعظ مع ما يناسبها من آيات الكتاب العزيز، فما أحوج قلوب أهل هذا الزمان إلى مواعظ ابن القيم، ويعلم الله أن الواحدة منها تستحق رحلة سفر، كما ذكر ذلك ابن القيم في بعض المواضع، ويكفي في الإضافة أدنى ملابسة، وقد يشغلنا بهاؤها وجمالها في بعض المواضع فنترك العنان لقلمه - رحمه الله - في الاسترسال في ذكر تلك المواعظ التي تبهر العقول، وتأخذ بمجامع القلوب، ولنا العذر في ذلك، فوالله ما حرصت على ذكرها إلا مبالغة في الإفادة، وبعضها استخرجته من بين السطور - حرصا مني على بثه ونشره.
3 -حرصت على عدم التصرف في نص العلامة ابن القيم - رحمه الله - إلا في القليل النادر - والنادر لا حكم له - كتعديل أو إظهار بعض الضمائر، أو وضع عبارة (اعلم أن) ليستقيم الكلام مع السياق.
كذلك أضفت الصلاة والسلام على خير الأنام - صلى الله عليه وسلم - في بعض المواضع التي خلت منها، وكذلك الترضي عن سائر صحابته - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم أجمعين، وسلكنا في زمرتهم، فاللهم إنا نشهدك ونشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع أننا نحب عبدك ورسولك سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وجميع صحابته - رضي الله عنهم - والمرء مع من أحب.
4 -قد يذكر ابن القيم - طيب الله ثراه - فائدة أو قاعدة لغوية أو بلاغية، ويستدل لها بآية أو بطائفة من الآيات، فيقع الاختيار على إحدى هذه الآيات لتكون عنوانا لتلك الفائدة أو القاعدة العزيزة.
5 -تركت العزو لكتب ابن القيم - رحمه الله - وترجمة الأعلام, وعزو الشعر، لأن هوامش الكتاب مشحونة بتعليقات مبهرة، ودرر فاخرة لكواكب نيرة من أعلام التفاسير الزاهرة.
6 -وضعتُ فصلا قبل البدء في التفسير بعنوان (مشوقات) ذكرت فيه شيئا يسيرا مما حواه هذا الكتاب من روائع وفوائد، ونكات وفرائد ترغيبا وتشويقا للقارئ الكريم ليقف على شيء من لطائف ونفائس علم العلامة العَلَم ابن القيم.
7 -ما يخص الفاتحة والمعوذتين من فهرسة.
نظرًا لما اشتمل عليه تفسير الفاتحة والمعوذتين من طول نفس فقد اجتهدت في فهرسة سورة الفاتحة والمعوذتين - قدر الطاقة - تيسيرا وتسهيلا على القراء النبلاء، وقد وفقني الله تعالى لإضافة بعض الفصول والفوائد لسورة الفاتحة من كتب ابن القيم الأخرى إضافة إلى ما هو مذكور في كتاب (مدارج السالكين) ، وكذلك الأمر في تفسير المعوذتين تمت إضافات أخرى سوى ما هو مذكور في كتاب (بدائع الفوائد) .