وأما المسألة العشرون: وهي ما هو الصراط المستقيم، فنذكر فيه قولاً وجيزاً، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلاً لعباده إليه، ولا طريق لهم إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحداً في عبوديته، ولا يشرك برسوله أحداً في طاعته، فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول. وهذا معنى قول بعض العارفين:
إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبته وحسن معاملته، وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين.
ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، والأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله.
والثاني: يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمداً رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة مابعث الله به رسله والقيام به، فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها، وهي معنى قول من قال: علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة، ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله ظاهراً وباطناً علماً وعملاً ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره.
وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس، وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها، فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع، لا تفسير مطابق له، بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة مما تقدم، والله أعلم.