فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 766

إن أول ما يلمسه المرء ويحسه - وبخاصة إذا كان ممن عَرَفَ ابن القَيِّم، وعاش مع تراثه الممتع النافع - أنه أمام عالم عامل، وداعية مخلص صادق، ومربٍ فاضل، أفنى عمره في محاربة كل شر ورذيلة، والدعوة إلى التخلق بكل خير وفضيلة، فلم يكن ابن القَيِّم - رحمه الله - ممن يتكسبون بدعوتهم، أو يطلبون بها عرضًا زائلًا - كما كان حال البعض في عصره - وإنما كان صاحب رسالة سامية، عاش حياته مبلغًا لها ومنافحًا عنها.

فلا عجب إذن أن يكون على درجة عالية من الأخلاق الفاضلة، والخلال الحميدة، بشهادة كل من عايشه وسعد بصحبته، فقد كان (الغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة) كما وصفه بذلك تلميذه ابن كثير رحمه الله، كما لا يفوتنا التنبيه على أن هذه الأسرة الطيبة التي نشأ ابن القَيِّم بين أحضانها، وما لقيه منها من رعاية وحسن توجيه - وخاصة والده الذين قدمنا طرفًا من سيرته العطرة - كان لها أكبر الأثر في تحلي ابن القَيِّم رحمه الله بجميل العادات، ومحاسن الأخلاق، كما سبق التنبيه على ذلك.

وكان - رحمه الله - صاحبَ هِمّةٍ عالية وخُلُقٍ فاضل.

قال عنه تلميذُه ابن رجب: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجُّد وطول صلاةٍ إلى الغاية القصوى، وتألُّهٍ ولهْجٍ بالذِّكر، وشغفٍ بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله والانكسار له ... ولا رأيتُ أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسُّنّة وحقائق الإيمان أعلم منه، وليس هو المعصوم ولكن لم أرَ في معناه مثله. اهـ

ويمكن لنا أن نسجل بعض هذه الصفات التي كان متخلقًا بها، وذلك من خلال شهادة تلاميذه، وأصحابه ومن عرفوه، وكذا من خلال ما يظهر من مطالعة سيرته ومؤلفاته، فلعل ذلك يكون باعثًا على التحلي بمثل أخلاق هذا الإمام الفاضل؛ فمن هذه الصفات:

1 -حسن العشرة، وكثرة التودد إلى الناس والتَّحَبُّب إليهم، لاسيما أهل الفضل والصلاح منهم، فكان الحافظ ابن كثير - مثلًا - من (أحب الناس إليه) كما حكى هو كذلك.

2 -كَفُّ الأذى عن الخلق، فكان رحمه الله"لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد"، كما قال ذلك أصحب الناس له ابن كثير رحمه الله.

هكذا كان ابن القَيِّم متحببًا إلى الناس متجملًا معهم، كَافًّا أذاه عنهم؛ لأنه رحمه الله كان يعلم أن حسن الخلق هو:"طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى»، فإنه قد نقل ذلك عن عبد الله بن المبارك رحمه الله، شارحًا به حسن الخلق وموضحًا معناه، فرحم الله ابن القَيِّم: الذي عَلِمَ، فتخلق بهذا العلم وعمل به، ثم دعا إليه ونشره بين الناس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت