{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) } [1]
عند قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسوله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرتْ بأهلها بحمده، والنار عُمرتْ بأهلها بحمده، وما أُطِيعَ إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قال الواحدي:
قال أبو بكر ابن الأنباري: قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له لا لغيره، وذلك أنا نرى بني الدنيا ينعم بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعِم عليه بالشكر والحمد راجعة إليه جل اسمه.
وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم كان يقول: إنما يجب أن يشكر من إن جاد عليك فلك جاد، وإن نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. ألا ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت لله فثوابها على الله، فلا معنى للشكر، وإن كانت لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها، فأما من مدحه بشار بن برد بقوله:
لَيْسَ يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ
فأي معنى لشكر من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب داعي رأفته.
قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء عليه، وشكرا له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم وارتفعت درجتكم بقوله عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} معناه يقولون: ما نعبدهم. =