ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= ثم إذا قال القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فقد أثنى على الله تعالى، فيكون بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه.
يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي:"أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر"فقيل له: ما في هذا من الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا) . فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ
إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟.
قال: وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع.
قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا
فترجم بالثناء والتمجيد عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد. اهـ (التَّفْسِيرُ البَسِيْط. 1/ 464 - 469) .
وقيل: (الحمد لله رب العالمين) عن العالمين قبل العالمين لعلمه بعجز العالمين عن أداء حمد رب العالمين.
وقيل هذا رحمة للعالمين بإضافته إياهم إليه أنه ربهم.
وقيل في (الحمد لله رب العالمين) إن الحمد يكون على السراء والضراء، والشكر لا يكون إلا على النعماء.
وقيل: (الحمد لله) يكون لاستغراق الحامد في النعمة، والشكر لاستزادته.
وقيل في قوله: (الحمد لله رب العالمين) أي منطق العالمين لحمده.
وقيل: (رب العالمين) أي هو الذي برأ العالمين بين رحمته (الرحمن الرحيم) حتى يؤهلهم لتمجيده بقولهم: (الحمد لله رب العالمين) أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن لعلة، وحمد الخلق إياي مشوب بالعلل.
وقيل (رب العالمين) أي: مُلْهِم العالمين بحمده وحده.
وقيل: لما علم عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه في الأزل فاستراح طوق عباده هو محل العجز عن حمده، وأنَّى ينازع الحدث القدم، ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وأنشد:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نُثني وفوق الذي نُثني
وحمد نفسه بالأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب
حمده فحمد نفسه عنهم؛ لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط عنهم به ثقل رؤية
المنة.
وسُئل جعفر بن محمد عن قوله: (الحمد لله رب العالمين) قال: معناه الشكر لله فهو
المنعم بجميع نعمائه على خلقه وحسن صنيعته وجميل بلائه. اهـ (حقائق التفسير. 1/ 34 - 35) . =