فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 766

(فصل)

وَالْهِدَايَة هِيَ الْعلم بِالْحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره، فالمهتدي هُوَ الْعَامِل بِالْحَقِّ المريد لَهُ وَهِي أعظم نعْمَة لله على العَبْد وَلِهَذَا أمرنا سُبْحَانَهُ أن نَسْأَلهُ هِدَايَة الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كل يَوْم وَلَيْلَة فِي صلواتنا الْخمس فَإِن العَبْد مُحْتَاج إلى معرفَة الْحق الَّذِي يرضي الله فِي كل حَرَكَة ظاهرة وباطنة، فَإِذا عرفهَا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى من يلهمه قصد الْحق فَيجْعَل إِرَادَته فِي قلبه ثمَّ إِلَى من يقدره على فعله، وَمَعْلُوم أن مَا يجهله العَبْد أضعاف أضعاف مَا يُعلمهُ، وَإِن كل مَا يعلم أنه حق لَا تطاوعه نَفسه على إرادته وَلَو أراده لعجز عَن كثير مِنْهُ، فَهُوَ مُضْطَر كل وَقت إِلَى هِدَايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل.

أما الْمَاضِي فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وَهل وَقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الْحق فيتوب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لَا يعود.

وَأما الْهِدَايَة فِي الْحَال فَهِيَ مَطْلُوبَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ ابْن وقته فَيحْتَاج أن يعلم حكم مَا هُوَ متلبس بِهِ من الأفعال هَل هُوَ صَوَاب أم خطأ.

وَأما الْمُسْتَقْبل فحاجته فِي الْهِدَايَة أظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق، وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن الْهِدَايَة علم أن العَبْد أشد شَيْء اضطرارا إليها، وأن مَا يُورِدهُ بعض النَّاس من السُّؤَال الْفَاسِد وَهِي أنا إِذا كُنَّا مهتدين فَأَي حَاجَة بِنَا أن نسْأَل الله أن يهدينا؟

وَهل هَذَا إلا تَحْصِيل الْحَاصِل؟

أفسد سُؤال وأبعده عَن الصَّوَاب وَهُوَ دَلِيل على أن صَاحبه لم يحصل معنى الْهِدَايَة وَلَا أحاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الْجَواب عَنهُ بأن الْمَعْنى ثبتنا على الْهِدَايَة وأدمها لنا.

وَمن أحاط علما بحقية الْهِدَايَة وحاجة العَبْد إليها علم أن الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنْهَا أضعاف مَا حصل لَهُ أنه كل وَقت مُحْتَاج إِلَى هِدَايَة متجددة لا سيما وَالله تَعَالَى خَالق أفعال الْقُلُوب والجوارح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت