ومعنى قوله: (لا توقيت فيه) أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة بل هو مطلق في الجنس، فجرى مجرى النكرة، واستشهاده بالبيت معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني، وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين، فهو في قوة النكرة، فجاز أن ينعت بالنكرة، وكأنه قال: على لئيم يسبني، وهذا استدلال ضعيف، فإن قوله: يسبني حال منه لا وصف، والعامل فيه فعل المرور، المعنى أمر على اللئيم ساباً لي، أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا احتفل بسبه.
الجواب الثالث: وهو الصحيح أن (غير) هاهنا قد تعرفت بالإضافة، فإن المانع لها من تعريفها شدة إبهامها أو عمومها في كل مغاير للمذكور، فلا يحصل بها تعيين، ولهذا تجري صفة على النكرة، فتقول: رجل غيرك يقول كذا ويفعل كذا، فتجري صفة للنكرة مع إضافتها إلى المعرفة، ومعلوم أن هذا الإبهام يزول لوقوعها بين متضادين يذكر أحدهما، ثم تضيفها إلى الثاني، فيتعين بالإضافة، ويزول الإبهام الذي يمنع تعريفها بالإضافة كما قال:
نحن بنو عمرو الهجان الأزهر ... النسب المعروف غير المنكر
أفلا تراه أجرى غير المنكر صفة على النسب، كما أجرى عليه المعروف لأنهما صفتان معينتان، فلا إبهام في (غير) لأن مقابلها المعروف وهو معرفة وضده المنكر متميز متعين كتعين المعروف، أعني تعين الجنس.
وهكذا قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فالمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، فإذا كان الأول معرفة كانت (غير) معرفة لإضافتها إلى محصل متميز غير مبهم، فاكتسبت منه التعريف.
وينبغي أن تتفطن هاهنا لنكتة لطيفة في (غير) تكشف لك حقيقة أمرها، فأين تكون معرفة، وأين تكون نكرة؟ وهي أن (غير) هي نفس ماتكون تابعة له وضد ماهي مضافة إليه، فهي واقعة على متبوعها وقوع الاسم المرادف على مرادفه، فإن المعروف هو تفسير غير المنكر، والمنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، هذا حقيقة اللفظة، فإذا كان متبوعها نكرة لم تكن إلا نكرة، وإن أضيفت كما إذا قلت: رجل غيرك فعل كذا وكذا، وإذا كان متبوعها معرفة لم تكن إلا معرفة، كما إذا قيل المحسن غير المسيء محبوب معظم عند الناس، والبر غير الفاجر مهيب، والعادل غير الظالم مجاب الدعوة، فهذا لا تكون فيه (غير) إلا معرفة، ومن ادعى فيها التنكير هنا غلط، وقال: ما لا دليل عليه، إذ لا إبهام فيها بحال، فتأمله.
فإن قلت: عدم تعريفها بالإضافة له سبب آخر، وهي أنها بمعنى مغاير اسم فاعل من غاير، كمثل بمعنى مماثل، وشبه بمعنى مشابه، وأسماء الفاعلين لا تعرف بالإضافة وكذا ما ناب عنها.
قلت: اسم الفاعل إنما لا يتعرف بالإضافة إذا أضيف إلى معموله، لأن الإضافة في تقدير الانفصال، نحو هذا ضارب زيد غداً، وليست (غير) بعاملة فيما بعدها عمل اسم الفاعل في المفعول حتى يقال: الإضافة في تقدير الانفصال، بل إضافتها إضافة محضة كإضافة غيرها من النكرات، ألا ترى أن قولك: غيرك بمنزلة قولك سواك، ولا فرق بينهما، والله أعلم.