فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر قلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد، وهو سبحانه كثيراً ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله، كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} (التوبة: الآية 33) في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف (سورة الصف: الآية 9) . وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: الآية 25) فهذا الهدى.
ثم قال: {وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} (الحديد: الآية 25) فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر.
وقال تعالى: {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} (آل عمران: الآيات 1 ـ 4) فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل، وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، ولهذا سمى تعالى ماينصر به عباده المؤمنين فرقاناً كما قال تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} (الأنفال: الآية 41) فذكر الأصلين ماأنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم، ومن هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} (الأنبياء: الآية 48) فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية، ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وأن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في (الأمالي المكية) فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة.
وأما جوابه الثاني عن قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: الآية 52) بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظاً من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى، وماهي إلا كبوة جواد ونبوة صارم، أفترى قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الصافات: الآيتان 117 ـ 118)
يفهم منه أن لغيره حظاً من الاستقامة، وما ثم غيره إلا طرق الضلال، وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله إليه أنبياءه ورسله أجمعين، وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال: إنه يفهم منه أن لغيره حظاً من الاستقامة، بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة، فإن التعريف في قوة الحصر، فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه، وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة، فتأمله هنا وفي نظائره.