فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 766

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= * فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَ إِجْرَاءُ الْأَوْصَافِ السَّابِقَةِ مُؤْذِنًا بِأَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِينَا رَحْمَةٌ فَقَدْ كَفَى ذَلِكَ فِي الْحَثِّ عَلَى الِامْتِثَالِ وَالِانْتِهَاءِ؛ إِذِ الْمَرْءُ لَا يُخَالِفُ مَا هُوَ رَحْمَةٌ بِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَنْسَاقَ إِلَى الشَّرِيعَةِ بِاخْتِيَارِهِ. قُلْتُ الْمُخَاطَبُونَ مَرَاتِبٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ تَعْقِيبِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ بِهَذَا الْوَصْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْتَدِي لِفَهْمِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ فِي فِعْلِ الْمُلَائِمِ لَهُ رَحْمَةً بِهِ أَيْضًا فَرُبَّمَا آثَرَ الرَّحْمَةَ الْمُلَائِمَةَ عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُنَافِرَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُفِيدَةً لَهُ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ الرَّحْمَةَ بِأَنَّهَا رَحْمَةٌ لِلْعُمُومِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَنَالُهُ مِنْهَا حَظٌّ ضَعِيفٌ فَآثَرَ رَحْمَةَ حَظِّهِ الْخَاصِّ بِهِ عَلَى رَحْمَةِ حَظِّهِ التَّابِعِ لِلْعَامَّةِ. وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ أَنَّ الرَّحْمَةَ فِي تَكَالِيفِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ أَغْلَبِيٌّ لَا مُطَّرِدٌ وَأَنَّ وَصفه تَعَالَى بالرحمن بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ التَّشْرِيعِ مِنْ تَكْوِينٍ وَرِزْقٍ وَإِحْيَاءٍ، وَرُبَّمَا ظَنَّ أَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْمَآلِ فَآثَرَ عَاجِلَ مَا يُلَائِمُهُ. وَرُبَّمَا عَلِمَ جَمِيعَ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّكَالِيفُ مِنَ الْمَصَالِحِ بِاطِّرَادٍ وَلَكِنَّهُ مَلَكَتْهُ شَهْوَتُهُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ. فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَظِنَّةٌ لِلْإِعْرَاضِ عَنِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِأَمْثَالِهِمْ جَاءَ تَعْقِيبُ الصِّفَاتِ الْمَاضِيَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِمَا سَيَحْصُلُ مِنَ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْحِسَابِ لِئَلَّا يَفْسُدَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ حِينَ تَتَلَقَّفُهُ أَفْهَامُ كُلِّ مُتَأَوِّلٍ مُضَيِّعٍ.

ثُمَّ إِنَّ فِي تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِقَوْلِهِ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ وَلِيُّ التَّصَرُّفِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهُوَ إِذَنْ تَتْمِيمٌ. اهـ (التحرير والتنوير. 1/ 175) .

* فإن قيل: على أي وجه أضيف إلى اليوم؟

قيل: أما (مَلِكِ) ، فعلى حد: يا سارق الليلة أهل الدار، في أنه اتسع للظرف، فجعله مفعولاً به.

وأما (مَالِكِ) فمضاف إلى المفعول به؛ لأنه تعالى هو موجده وضابطه، وإذا أضيف إلى (الوقت) غير الله تعالى فيقال: فلان مالك يوم كذا.

فإنما هو على تجوز؛ إذ كان حقيقة اليوم والوقت ليس بملك لغيره.

وأما اختصاص ذلك اليوم مع كونه في الحقيقة مالكاً لجميع الأشياء، وفي جميع الأزمنة - لأمرين:

أحدهما: أنه قد ملَّك في الدنيا قومًا أشياء يبطل عنها ملكهم لها يوم القيامة، ولذلك قال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ، وقال: {نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} ، وقال: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} . والثاني على وجه التعظيم، لأنهم يجعلون ما يستعظمونه ملكاً له نحو: بيت الله وناقة الله وتعظيم إياه على وجه أن اليوم الآخر لا انقضاء له ولا فناء، وجميع ما في الدنيا فانٍ، وقد علم أن الباقي أشرف من الفاني. اهـ (تفسير الراغب. 1/ 56 - 57) .

وقال الواحدي:

وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} وهو خبير سائر الأيام. اهـ (التَّفْسِيرُ البَسِيْط. 1/ 505) .

وقال السمعاني:

إِنَّمَا خصّه لِأَن الْأَمر فِي الْقِيَامَة يخلص لَهُ، كَمَا قَالَ: {وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله} . وَأما فِي الدُّنْيَا للملوك أَمر، وللمسلمين أَمر، وللأنبياء أَمر. اهـ (تفسير السمعاني. 1/ 37) .

وقال الماوردي:

وفي اختصاصه بملك يوم الدين تأويلان: أحدهما: أنه يوم ليس فيه ملك سواه , فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك , وهذا قول الأصم.

والثاني: أنه لما قال: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} , يريد به ملك الدنيا , قال بعده: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يريد به ملك الآخرة , ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة. اهـ (النكت والعيون. 1/ 57) .

(لطيفة)

قال الإمام الفخر:

إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ أَسْمَاءِ نَفْسِهِ خَمْسَةً: اللَّهُ، وَالرَّبُّ، وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ، وَالْمَالِكُ. وَالسَّبَبُ فِيهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: خَلَقْتُكَ أَوَّلًا فَأَنَا إِلَهٌ. ثُمَّ رَبَّيْتُكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ فَأَنَا رَبٌّ، ثُمَّ عَصَيْتَ فَسَتَرْتُ عَلَيْكَ فَأَنَا رَحْمَنٌ، ثُمَّ تُبْتَ فَغَفَرْتُ لَكَ فَأَنَا رَحِيمٌ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِ الْجَزَاءِ إِلَيْكَ فَأَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ.

* فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ فِي التَّسْمِيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي السُّورَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَالتَّكْرِيرُ فِيهِمَا حَاصِلٌ وَغَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ فَمَا الْحِكْمَةُ؟

قُلْنَا: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ أَنِّي إِلَهٌ وَرَبٌّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاذْكُرْ أَنِّي رَحْمَنٌ رَحِيمٌ مَرَّتَيْنِ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْهَا بِسَائِرِ الْأُمُورِ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الرَّحْمَةَ الْمُضَاعَفَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإِنِّي مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ) . اهـ (مفاتيح الغيب. 1/ 208) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت