فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 766

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= (فائدة)

قال ابن رجب الحنبلي:

اعلمْ أنَّ سؤالَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ دونَ خلقِهِ هو المتعينُ، لأنَّ السؤالَ فيه

إظهارُ الذلِّ من السائلِ والمسكنةِ والحاجةِ والافتقارِ، وفيه الاعترافُ بقدرةِ

المسئولِ على رفع هذا الضرِّ، ونيلِ المطلوبِ، وجلبِ النافع ودرءِ المضارِّ، ولا يصلحُ الذلُّ والافتقارُ إلا للَّهِ وحدَه، لأنَّه حقيقةُ العبادة.

وكانَ الإمامُ أحمدُ يدعُو ويقولُ: اللَّهمَّ كَمَا صُنتَ وجهِي عنِ السُّجودِ لغيرِك فصُنْه عن المسألةِ لغيرِك. ولا يقدرُ على كشفِ الضرِّ وجلبِ النفع سواهُ، كمَا قالَ: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) ، وقالَ: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) واللَّهُ سبحانهُ يحبُّ أن يُسألَ ويُرْغَبَ إليهِ فِي الحوائج، ويُلَح فِي سؤالِه ودُعائِهِ، ويغضَبُ على من لا يسألُه، ويستدْعِي مِنْ عبادِهِ سؤالَهُ، وهو قادر على إعطاءِ خلقِه كُلِّهِم سُؤْلَهُم من غيرِ أن يَنْقُصَ منْ ملكِهِ شيء، والمخلوقُ بخلافِ ذلكَ كلِّه: يكرهُ أن يُسألَ، ويُحبُّ أن لا يُسألَ، لعجزِهِ وفقره وحاجتِهِ؛ ولهذا قالَ وهبُ بنُ منبهٍ لرجلٍ كانَ يأتي الملوكَ: ويحكَ، تأتي من

يُغلِقُ عنكَ بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَهُ، ويوارِي عنك غناهُ، وتَدعُ من يفتحُ لكَ بابَه بنصفِ الليلِ ونصفِ النهارِ، ويُظهرُ لك غناهُ، ويقولُ: ادعُنِي أستجبْ لكَ؟!.

وقالَ طاووس لعطاءٍ: إياكَ أن تطلبَ حوائجَكَ إلى من أغلقَ دونَكَ بابَهُ ويجعلُ دونَهَا حُجَّابَهُ، وعليكَ بمنْ بابُهُ مفتوحٌ إلى يومِ القيامةِ، أمركَ أن تسألَهُ ووعدَكَ أن يُجيبَكَ.

وأما الاستعانةُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ دونَ غيره من الخلقِ، فلأنَّ العبدَ عاجزٌ عن الاستقلالِ بجلب مصالحِهِ، ودفع مضارِّهِ، ولا معينَ لهُ علَى مصالح دينِه ودنياهُ إلا اللَهُ عزًّ وجلَّ، فمنْ أعانَهُ اللَهُ، فهو المُعانُ، ومن خذَلَهُ فهو المخذولُ، وهذا تحقيقُ معنى قولِ:"لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّهِ"، فإنَّ المعنى لا تحوُّلَ للعبدِ منْ حال إلى حالٍ، ولا قُوَّةَ له على ذلكَ إلا باللَّهِ، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوزِ الجنةِ، فالعبدُ محتاج إلى الاستعانةِ باللَّهِ فِي فعلِ المأموراتِ، وتركِ المحظوراتِ، والصبرِ على المقدوراتِ كلِّها فِي الدنيا وعندَ الموت وبعدَهُ من أهوالِ البرزخ ويومِ القيامةِ، ولا يقدرُ على الإعانةِ على ذلكَ إلا الَلهُ عزَّ وجل، فمنْ حقَّقَ الاستعانةَ عليه فِي ذلكَ كلِّه أعانَهُ.

وفي الحديث الصحيح عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"احْرصْ على ما ينفعُكَ، واستعن بالله ولا تعجر".

ومن تركَ الاستعانةَ باللَّهِ، واستعانَ بغيره، وكَلَهُ اللَّهُ إلى منْ استعانَ به فصارَ مخذُولاً.

كتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز: لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ.

ومن كلامِ بعضِ السلفِ: يا ربِّ عَجبتُ لمن يعرفك كيفَ يرجُو غيرَك، عجبتُ لمن يعرفُك كيفَ يستعينُ بغيرِكَ. اهـ {تفسير ابن رجب الحنبلي. 1/ 72 - 74}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت