فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 766

[فَصْلٌ]

لما كان الإنسان؛ بل وكل حي متحرك بالإرادة، لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة، وله مراد مطلوب، وطريق وسبب يوصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحي مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في حصول مراده.

والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثاني: ما هو مراد لغيره.

والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثاني: ما هو تبع له وآلة.

فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان بنفسه.

فلا بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وينتهي إليه محبته. ولا بد له من شيء يتوصل به؛ ويستعين به في حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسئول، والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان، فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ومنفعته ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به، ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة، فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به، فاجتمع له محبته والاستعانة به.

فالأقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه.

فهذا أعلى الأقسام، وليس ذلك إلا لله وحده. وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته، ويستعان به لكونه آلة وسببا.

الثاني: محبوب لغيره ومستعان به أيضاً، كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض محبه

الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره

الرابع: مستعان به غير محبوب في نفسه.

فإذا عرف ذلك تبين مَن أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإلا كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها. والله المستعان وعليه التكلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت