فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 766

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= * فإن قيل: لم قدم الحمد والثناء على الدعاء؟

والجواب: لأن تلك السنة في الدعاء، وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة، وكذلك قدم (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) على (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لأن رحمة الله سبقت غضبه. اهـ (التسهيل لابن جزي. 1/ 65)

وقال ابن كثير:

لما تقدم الثناء على المَسْئُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاسَبَ أَنْ يُعَقَّبَ بِالسُّؤَالِ كَمَا قَالَ: «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ السَّائِلِ أَنْ يَمْدَحَ مَسْئُوله ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) لِأَنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ وَأَنْجَعُ لِلْإِجَابَةِ، وَلِهَذَا أَرْشَدَ الله إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ (رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وَقَدْ يَتَقَدَّمُهُ مَعَ ذلك وصف المَسْئُول كَقَوْلِ ذِي النُّونِ (لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وقد يكون بمجرد الثناء على المَسْئُول كقول الشاعر: [الوافر]

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ.

اهـ (تفسير ابن كثير. 1/ 136 - 137) .

(فائدة)

قال البيضاوي:

هداية الله تعالى تتنوع أنواعاً لا يحصيها عدٌّ كما قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا} ولكنها تنحصر فِي أجناس مترتبة:

الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.

الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال: {وهديناه النجدين}

وقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى}

الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياها عنى بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}

وقوله: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمِ}

الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي، أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله: {أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده}

وقوله: {والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}

فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المرتبة عليه. فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. والأمر والدعاء يتشاركان لفظاً ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة. اهـ {تفسير البيضاوي. 1/ 30} .

قال ابن عجيبة معلقا على الوجه الرابع:

قلتُ: قوله: الرابع ... الخ، فِي عبارته قَلَقٌ واختصار، والصواب أن يقول: الرابعُ - أن يكشف عن قلوبهم الظُّلَمَ والأغيار، ويُشرق عليها الأنوار والأسرار، ويُريهم الأشياء كما هي بالوحي والإلهام، وباستعمال الفكرة فِي عظمةِ الملك العلاَّم، حتى تستولي أنوارُ المعاني على حِسِّ الأواني، ثم يقول: وهذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء. اهـ {البحر المديد. 1/ 64} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت