أما بعد:
اعلم - نور الله باطنك بأنوار الإيمان، وزين ظاهرك بوظائف الإسلام، واستعملك فِي الدنيا بمتابعة السنة، وأسعدك فِي الأخرى بجواره فِي الجنة - أن أفضل ما اكتسبه الإنسان علْمًا يسعد به في عاجل معاشه، وآجل معاده، وأن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره، وعلق به خاطره، وأعمل فيه فكره تحصيل العلوم الشرعية، واستعمالها فِي الأعمال المرضية.
والعمر - لا شك - يتقاصر عن نيل المقاصد والنهايات، ويضيق عن تحصيل المطالب والغايات؛ لذا فإن اللائق البحث والفحص فِي تحصيل ما الفائدة فِي تحصيله أعم، والدنيا تنقضي على أهلها، وتبقى الأعمال قلائد فِي رقاب أهلها.
واعلم أن أعلى هذه العلوم كتاب الله - تَعَالَى جَدُّهُ وعلاؤه وثناؤه - فهو الْنُّورُ الْمُبِينُ، وَالْكِتَابُ الْمُسْتَبِينُ، الَّذِي هُو أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرُ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، السَّائِرَةِ فِي الْآفَاقِ، الْبَاقِي بَقَاء الْأَطْوَاقِ فِي الْأَعْنَاقِ، الْجَدِيدُ عَلَى تَقَادُمِ الْأَعْصَارِ، اللَّذِيذُ عَلَى تَوَالِي التَّكْرَارِ، الْبَاسِقُ فِي الْإِعْجَازِ إِلَى الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، الْجَامِعُ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، الْجَالِي بِأَنْوَارِهِ ظُلَم الْإِلْحَادِ، الْحَالِي بِجَوَاهِرِ مَعَانِيهِ طَلَى الْأَجْيَادِ.
وهو العروة الوثقى التي من تمسك بها فاز بدرك الحق القويم، والجادّة الواضحة التي من سلكها فقد هدي إلى الصراط المستقيم.
فأيّ عبارة تبلغ أدنى ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم؟
وأيّ لفظ يقوم ببعض ما يليق به من التكريم والتفخيم؟
كلا والله إن بلاغات البلغاء المصاقع، وفصاحات الفصحاء البواقع، وإن طالت ذيولها، وسالت سيولها، واستنت بميادينها خيولها، تتقاصر عن الوفاء بأوصافه، وتتصاغر عن التشبث بأدنى أطرافه، فيعود جيدها عنه عاطلا، وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا، فهو كلام من لا تحيط به العقول علما، ولا تدرك كنهه الطباع البشرية فهما، فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه من الأوصاف العظام أولى بالمقام، وأوفق بما تقتضيه الحال من الإجلال والإعظام.