فهرس الكتاب

الصفحة 677 من 766

قُلْتُ: لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْلَائِهِ وَعُلُوِّهِ بِالْحَقِّ وَالْهُدَى، مَعَ ثَبَاتِهِ عَلَيْهِ، وَاسْتِقَامَتِهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ فِي الْإِتْيَانِ بِأَدَاةِ (عَلَى) مَا يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّهِ وَثُبُوتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الضَّلَالِ وَالرَّيْبِ، فَإِنَّهُ يُؤْتَى فِيهِ بِأَدَاةِ"فِي"الدَّالَّةِ عَلَى انْغِمَاسِ صَاحِبِهِ، وَانْقِمَاعِهِ وَتَدَسُّسِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] وَقَوْلِهِ {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 39] وَقَوْلِهِ {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54] وَقَوْلِهِ {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] .

وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] فَإِنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ تَأْخُذُ عُلُوًّا صَاعِدَةً بِصَاحِبِهَا إِلَى الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، وَطَرِيقَ الضَّلَالِ تَأْخُذُ سُفْلًا، هَاوِيَةً بِسَالِكِهَا فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41] قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ إِنَّهُ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] كَمَا قَالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، وَمَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَنْ تُرِيدُ إِعْلَامَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ فَائِتٍ لَكَ، وَلَا مُعْجِزٍ، وَالسِّيَاقُ يَأْبَى هَذَا، وَلَا يُنَاسِبُهُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، فَإِنَّهُ قَالَهُ مُجِيبًا لِإِبْلِيسَ الَّذِي قَالَ {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82] فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِي إِلَى إِغْوَائِهِمْ، وَلَا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ.

فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ أَتَمَّ التَّقْرِيرِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ صِرَاطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت