يملأ القلوب بشرا، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيى القلوب بأوراده، ولهذا سمّاه الله روحا فقال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] فسمّاه روحا لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح سببا للاقتدار، وعلما على الاعتبار.
يزيد على طول التأمّل بهجة ... كأن العيون الناظرات صياقل
وإنما يفهم بعض معانيه، ويطّلع على أسراره ومبانيه من قوي نظره، واتسع مجاله في الفكر وتدبّره وامتد باعه ورقّت طباعه، وامتدّ في فنون الأدب، وأحاط بلغة العرب.
ثم العلوم المتعلقة بهذا الكتاب العزيز كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة، وإن من أجلها وأنفسها علم التفسير، فهو أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا، فهو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، به تظهر أسرار التنزيل، وتنكشف حقائق التأويل، ولا يليق لتعاطيه والتصدي للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها.
قال الحرالّي: «وأكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، وإحاطة بما شاء من علوم القرآن، ففيه تمام شهود ما كتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم بما يزيل بكريم عنايته من خطإ اللاعبين إذ فيه كلّ العلوم.
وقال الشافعيّ رضي الله عنه: «جميع ما تقوله الأمة شرح للسنّة، وجميع السنّة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا.
زاد غيره: وجميع الأسماء الحسنى شرح لاسمه الأعظم وكما أنّه أفضل من كل كلام سواه، فعلومه أفضل من كلّ علم عداه قال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى} [الرعد: 19] وقال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]
وقال مجاهد: الفهم والإصابة في القرآن.
وقال: وقال مقاتل: يعني علم القرآن.
وقال سفيان الثوريّ: لا يجتمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن أبدا.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ: «مثل علم القرآن مثل الأسد لا يمكّن من غلته سواه» .
قال ذو النون المصريّ: «أبى الله عز وجلّ أن يكرم قلوب البطّالين مكنون حكمة القرآن» .
وقال الحسن البصريّ: «علم القرآن ذكرٌ لا يعلمه إلا الذكور من الرجال» وقال الله جلّ ذكره: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] يقول: إلى كتاب الله».
وكلّ علم من العلوم منتزع من القرآن، وإلا فليس له برهان.
نِعْمَ السَّمِيرُ كِتَابُ اللَّهِ إِنَّ لَهُ ... حَلَاوَةً هِيَ أَحْلَى مِنْ جَنَى الضَّرَبِ
بِهِ فُنُونُ الْمَعَانِي قَدْ جُمِعْنَ فَمَا ... يُفْتَنُ مِنْ عَجَبٍ إِلَّا إِلَى عَجَبِ
أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَأَمْثَالٌ وَمَوْعِظَةٌ ... وَحِكْمَةٌ أُودِعَتْ فِي أَفْصَحِ الْكُتُبِ
لَطَائِفٌ يَجْتَلِيهَا كُلُّ ذِي بَصَرٍ ... وَرَوْضَةٌ يَجْتَنِيهَا كُلُّ ذِي أَدَبِ