مسألة: هذه الثمان ومثلها المحبة الجائزة بالنية تتحول إلى محبة مستحبة، فالزوجة إذا أحبها لأنها زوجته، فهذه محبة طبيعية، وإذا أحبها لدينها فهي محبة دينية، والعسل والدباء إذا أحبه لأنه لذيذ فهذه محبة طبيعية، وإن أحبه لأن الرسول يحبه فهذه محبة دينية.
قوله: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] .
هذه تسمى آية وعيد، وقد سبق ذكر مذهب السلف في آيات الوعيد.
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» أخرجاه.
لا: نافية، والأصل في النفي: نفي الوجود بقسميه، الوجود الحسي كـ «لا رجل في الدار» ، والوجود الشرعي كـ «لا إله إلا الله» .
وإن كان المنفي موجودًا حسًا فيكون نفيًا للصحة، كقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» .
فإن كان الشيء صحيحًا شرعًا فيكون النفي للكمال.
والكمال نوعان: كمال واجب، وكمال مستحب. مثاله: «لا يؤمن أحدكم ... » الحديث أعلاه.
والمقصود بالآية {لَا يُؤْمِنُ} [يونس: 40] الإيمان الكامل الواجب؛ لأن الأدلة دلت على أن الإنسان مع المعاصي صحيح الإيمان ولكن إيمانه غير كامل. ولأنه قد دلت أدلة أخرى على أن المنفي في الحديث هو الكمال مثل ما أخرجه أحمد «لا يجد أحدكم صريح الإيمان» وعند ابن حبان «لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان» .
وهل يدخل فيه الإسلام؟ فنقول: «ولا يسلم إسلامًا كاملًا» ؟ نعم. لأن هناك قاعدة أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
أحدكم: الكاف لخطاب المؤمنين.
حتى: لانتهاء الغاية.
أحب: أفعل تفضيل أي: حتى يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه مما ذُكر، ومحبة الرسول هي طاعته، وهذا تفسير بالمقتضى، وهذا من باب التسهيل؛ وإلا فمحبة الرسول وصف قائم بالبدن يقتضي طاعة الرسول واتباعه.
ولده: هنا بمعنى اسم المفعول أي: المولود، وهذا هو المعنى في الكتاب والسنة، وأما العرف فيطلق الولد على الذكر.
ووالده والناس: الواو في"والناس"عاطفة، والعطف هنا من باب عطف العام على الخاص، وأفرد الولد والوالد لأنه الغالب في المحبة.
أجمعين: تأكيد للعموم في"والناس".
مناسبة هذا الحديث: تحريم تقديم محبة الولد ونحوه على محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يعتبر من الشرك الأصغر إن قدمه في الواجبات والمنهيات، ومن الأكبر إن قدمه في الكفريات.
ولهما عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب مما سواهما، وأن يُحب المرء لا يُحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقده الله منه كما يكره أن يقذف في