الصفة الرابعة: مكانته عند الناس، فليس له جاه عند أهل الدنيا؛ لأنه ليس من أهل الدنيا.
بقي قسم ثالث بين القسمين السابقين وهو:
من أراد الدنيا والآخرة، وهو ما يسمى بالمخلط بينهما، وهذا على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الغالب عليه إرادة وجه الله، ويريد أيضًا الدنيا في نفس العمل، وهذا في الأصل جائز، ولكن ينقص الأجر، كما جاء في حديث عند مسلم في الذين غنموا قال: «تعجلوا ثلثي أجرهم» .
-ومثله المؤذن إذا أراد الآذان وأراد الراتب أو بيت المجسد، فهذا ينقص أجره ولا يعتبر من الشرك.
-ومثله لو حج يريد الوقوف بعرفة والدعاء ويريد أجرة الدنيا.
-ومثله لو درّس العلوم الشرعية يريد العلم والفائدة، ويريد المال.
-والأمثلة كثيرة، ولكن شرط هذا القسم أن يكون الغالب إرادة وجه الله.
والدليل على هذا القسم قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
النوع الثاني: أن يكون الغالب عليه والأكثر إرادة الدنيا، وهذا محرم ومن الشرك إن أراد الدنيا من الناس.
النوع الثالث: أن تكون الإرادتان متقاربتين، أو متساويتين، فهذا محل خلاف
والأقرب عندي أنه محرم ويلحق بالشرك.
مسألة: لو أن الإنسان طلب علم الشريعة فدخل في كلية الشريعة وأصول الدين يريد الدنيا فقط"هذا شرك"، لكن لما توظف بها تاب إلى الله فهل تحرم عليه الوظيفة؟
وهل يكون حكمه مثل حكم من غش في الامتحان ثم نجح غشًا؟ ومثال آخر: لو أن إنسانًا بنى مسجدًا وأراد به الدنيا ثم تاب بعد ذلك فما الحكم؟
أما للأول فلا تكن الوظيفة عليه حرامًا إذا كان متقنًا لها. وأما المثال الثاني فبالنسبة للمسجد فالصلاة فيه صحيحة وبالنسبة للباني فلعله بعد التوبة يؤجر وأما قبل التوبة فلا لحديث «أسلمت على ما أسلفت من خير» فكان يعمل للدنيا ولما أسلم وتاب أُجر على هذا الخير وهذا مثله من باب قياس التوبة على الإسلام.
مسألة: جاء في بعض الأحاديث الحث على الأمور الصالحة بأمور دنيوية، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلًا فله سلبه» فيدل على أن من قتله لأجل السلب جاز، ومثل حديث «من أحب أن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه» فلو وصله من أجل أن ينسأ له في أثره جاز، إلى غير ذلك من الأحاديث.
نقول: في هذه الأحاديث ليس المقصود أن يكون الباعث للعمل الصالح الأمر الدنيوي فهذا لا يجوز، أما لو كان حافزًا ومنشطًا فهذا جائز، وهو المقصود بهذين الحديثين.
مسألة: تابعة للدرس الماضي:
عرفنا أنه إذا قرأ القرآن يريد الدنيا فهو شرك، فما حكم تعليم القرآن؟
أما تعليم القرآن فيجوز ولو أخذ عليه شيئًا من الدنيا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» ومثله العلاج بالقرآن.
مسألة: لو عمل العمل الصالح يريد وجه الله ثم طرأت عليه إرادة الدنيا؟
هي مثل حكم ما إذا غلب عليه إرادة وجه الله وشيء من الدنيا، هذا إذا استرسل وأما إن جاهد فأخلص