ويعضده قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ... } [النساء: 65] .
لا يؤمن: لا: نافية.
يؤمن: الأصل في النفي أن يُحمل على نفي الوجود، فإن تعذر فيحمل على نفي الوجود الشرعي وهو الصحة، فإن تعذر فيُحمل على نفي الكمال الواجب، وهنا يُحمل على نفي الكمال الواجب.
لا يؤمن: إيمانًا كاملًا كما قال الشارح ابن قاسم، ويدل عليه حديث «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» .
والزاني ليس هواه في هذه المسألة تبعًا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .
أما إن كان كارهًا لما جاء به الرسول؛ فهذا يكفر، ولذا من نواقض الإسلام بغض ما جاء به الرسول.
قول الشعبي: ذكر المصنف هذا القول بأنه سبب نزول الآية الأولى.
رواه ابن جرير وابن المنذر؛ إلا أن هذا السبب ضعيف الإسناد؛ لأن فيه انقطاعًا.
السبب الثاني: قال المصنف: وقيل نزلت في رجلين.
قيل: صيغة تمريض.
والقول الثاني أضعف من القول الأول؛ بل حكى بعض أهل العلم أنه موضوع؛ لأنه من طريق الكلبي وهو كذّاب، والشارح ابن قاسم قَبِل هذه الرواية على أنها سبب نزول وقال: إنها مشهورة متداولة تغني عن الإسناد.
ولكن الصحيح في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه الطبراني والواحدي عن ابن عباس: أنا أبا بردة الأسلمي الكاهن كان يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه نفر من المسلمين فنزلت هذه الآية. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
لو قال قائل: إن النفر من المسلمين الذين تحاكموا إلى الكاهن ظاهره أنهم كفروا بالتحاكم مرة؟
الجواب: ليس الكفر لأنه مرة هنا، ولكن لأنهم فعلوا التحاكم مختارين، كما قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا} [النساء: 60] والإرادة دليل الاختيار.
ومن رغب وأحب الطاغوت وتحاكم إليه فإنه يكفر.
مسائل:
الأولى: التحاكم إلى الهيئات الدولية"كمحكمة العدل الدولية"أو"هيئة الأمم"أو غيرها من المحاكم الإقليمية.
فحكم التحاكم إليها كما مر علينا في حكم التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فالتحاكم إليها مختارًا كفر أكبر مخرج من الدين.
الثانية: التحاكم إلى الغرفة التجارية والمحاكم المرورية ومكتب العمل والعمال.
أما نظام العمل والعمال فقد انتقده بعض العلماء كالشيخ محمد بن إبراهيم في الفتاوى، ويذكر أن الشيخ ابن حميد له رسالة فيه. ومن الانتقادات على هذا النظام: أن دية المهندس أكثر من دية العامل، وهذا يُخالف صراحة شرع الله إلى غير ذلك؛ خصوصًا في مسائل الديات، فإذا كانت كذلك فالتحاكم إليها كما مر علينا مختارًا عالمًا فإنه