فهرس الكتاب
ولهذا جعل الله عز وجل الشرك ظلمًا؛ لأنه وضع للقلب في غير موضعه، هذا إذا كان في عمل القلب، وإذا كان في عمل الجوارح، كوضع الجوارح ساجدًا على صنم فهذا في غير ما وضعه الله له، أو وضع الجوارح مثلًا إلى جهة ما أمر الله عز وجل بها، فقد وقع في الظلم، فقد سمى الله عز وجل الشرك ظلمًا، وفي قوله: (باب ظلم دون ظلم) إشارة إلى مراتب الظلم بحسب مقامه في الشريعة، وكذلك بحسب أثره في الناس. قال رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة ح، قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا لم يظلم؟! فأنزل الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ].قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] ، كما أن اللباس يكون في الحس فهو كذلك في المعنى أيضًا، فمن جهة فعل الإنسان يكون لباسًا وتجردًا، وكذلك يكون من جهة أمور المعاني، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] الظلم هنا المراد به: الشرك، والأمان المراد به: الأمان يوم القيامة من الفزع، وكذلك الهول والخوف من النار، فالله عز وجل يعطي الإنسان أمانًا من ذلك يوم القيامة، وذلك بورود التوحيد، والمؤمن إذا لم يقع في الظلم - أي: الشرك - فهو آمن، فإن الله عز وجل حرم على النار من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه. وفي قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] هنا عرف المؤمنين بأنهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وذلك من باب التفسير، لا من باب التفصيل، يعني: أنه يوجد قسيم لهؤلاء من المؤمنين لبسلوا إيمانهم بظلم، ويحتمل أن المراد بهذا الظلم جميع أنواع الشرك، سواء كان الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر.