ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام أهل التسبيح والتهليل يوازون أهل الدثور الذين ينفقون من أموالهم، حينما قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبق أهل الدثور بالأجور، وذلك وإن كان فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء إلا أن الله جل وعلا قد جعل بدائل للإنسان حتى يستطيع أن يفاضل غيره بذلك العمل، وما يحرم الله جل وعلا عبدًا من عمل من الأعمال إلا وجعل له عوض، فالفقير الذي ينفق الدينار يساوي نفقة الغني بألف دينار؛ ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب درهم سبق ألف دينار) ، وذلك لمقام الدرهم عند صاحبه، والنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين نفقة الإنسان وهو صحيح شحيح، يخاف الفقر، ويرجو الغنى وبين نفقة الشخص الذي يرمي بالمال، وهو غني لا يخاف الفقر، كالذي يأخذ ويغرف من بحر، فنفقته في ذلك تساوي نفقة الفقير، ولو كان درهمًا من ماله، فهي مسألة تناسب، وهذا مقتضى عدل الله جل وعلا بين عباده. وقوله رحمه الله: (تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) ، المصنف رحمه الله من دقة عبارته جعل التفاضل في الأعمال، ولم يقل: التفاضل في الإيمان لازم لتفاضل الأعمال؛ وذلك أنه لا يلزم من تفاضل الأعمال تفاضل الإيمان على الإطلاق، وأما تفاضل الإيمان في ذاته فإنه يلزم منه تفاضل الأعمال، إما كثرة وقلة، وإما قوة وضعفًا من جهة النوع.