وهذا شبيه بما تقدم، في قوله: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) ، هذا فيه إشارة إلى زيادة الإيمان ونقصانه، وكذلك أيضًا كما أن للإيمان شعب، فكذلك للكفر والنفاق شعب، فتجتمع هذه الشعب حتى تعطي الإنسان أمارة على أنه ليس من أهل الإيمان، وهذه الأمارات هي قرائن ودلالات، ولو لم يبح الإنسان، ووجود هذه الأمارات هل تجعل الإنسان يقطع ويحكم؟ يحكم على الإنسان يقينًا إذا وجدت هذه الأمارات؟ نقول: قد يقطع أهل العلم العارفون بذلك، فإنهم يسوغ لهم أن يقطعوا في بعض الأحوال أن فلانًا لا يمكن أن يتحقق فيه الإيمان لوجود شعب كثيرة من النفاق قد اجتمعت فيه، ومثله لا يمكن أن يتحقق معه إيمان؛ ولهذا قال: (كان منافقًا خالصًا) ، والنفاق الخالص: هو الذي يقع من الكافر الأصلي الذي لم يظهر الإيمان في قلبه إلا لأجل المجاملة والمحاباة، والتماس رضا الناس ومرآتهم. وقوله: (ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) ، وهذا فيه إشارة كما تقدم أن الإنسان يخاف من خصال النفاق لربما تجتمع فيه شيئًا فشيئًا، ويقع في النفاق الأكبر، كذلك أيضًا فإن الإنسان عليه أن يحذر، فإن النفاق يجر بعضه بعضًا كما أن أعمال الطاعات تجر بعضها بعضًا، والإنسان في مصارعة ومنازعة لأمثال تلك الأعمال، فعليه أن يتقلل وأن يحذر من ذلك قدر وسعه وإمكانه. وفيما يتعلق بأمر النفاق وأثره فإنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن النفاق هو: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وأدق من ذلك أن يظهر الإنسان خيرًا ويضمر شرًا بخلاف ما يبطن؛ لأنه ربما يبطن الطاعة ويظهر المعصية على سبيل الخوف على الدين، والاستتار بذلك، كما كان ذلك حاصلًا في الزمن المكي لبعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإطلاق أنه يظهر خلاف ما يبطن يجعل وجهًا معاكسًا لحال المنافقين ينطبق عليه هذا التعريف لا يدخل فيه.