فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 189

وعلى هذا نقول: إن إنزال أمثال هذه الأحوال وهذا الدين هو بحسب فاعله، والتشريع بمجموعه دين الإسلام هو حنيفية سمحة للعاملين بها، ولا يوجد حكم من أحكام الشريعة فرضه الله على العباد دينًا على الأعيان ويكون ليس من الحنيفية السمحة، بل يقال: إن جميع الأحكام الشرعية التي جعلها الله فرضًا على الأعيان أو جعلها على الكفاية هي مما يستطيعه الناس وهي في ذاتها سمحة على جميع الخلق، إلا من عذره الله سبحانه وتعالى، فالقيام للصلاة جعله الله عز وجل فرضًا، فإذا قام الإنسان فيها وهو لا يستطيعه ويؤذي نفسه، نقول: قد أخذ ما أوجبه الله عز وجل عليه وترك الرخصة في ذلك، وهذا ليس من الحنيفية في شيء. وقوله هنا: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) إشارة إلى أن المشادة التي وقعت على الدين إنما هي من الأفراد لا من الدين الحق، والمراد باليسر في الشريعة هو: ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا فيما يظنه الإنسان، فكثير من الناس يتخيل منهجين، ويرسم خطين، ويتوسط بينهما ويقول: هذه هي الوسطية، وهذا من الخطأ، الوسطية في ذلك لا أن تضع نفسك بين طرفي نقيض، ثم تتوسط وتقول: أنا متوسط، ولو استحضر الإنسان شيئًا في ذهنه من العقائد والأفكار ثم جاء بينهما لساغ أن نجعل كل عقيدة في الأرض أنها وسطية بين اثنين، وتأتي بين إبليس وفرعون وتتوسط وتقول: هذه الوسطية، وتأتي مثلًا بين كفار قريش وبين النبي عليه الصلاة والسلام وتقول: أبو طالب من الوسطيين. لكن هذه وسطية أم يسر؟ نعم وسطية ويسر، فالنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: (خط خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله) ، فهذه الخطوط ليس للإنسان أن يقف بين خطين يقول: أنا متوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت