وفي قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] إشارة إلى أن الإنسان ينسلخ من الإيمان ويقع في الكفر بتركه لهذه الأشياء، ودخوله في هذه الأعمال الظاهرة أمارة على دخوله في الإسلام؛ لهذا أمر بتخلية السبيل، فالعبرة في ذلك هو بعمل الظاهر؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة) وقد ذكر هنا المقاتلة، والمقاتلة تكون من طرفين، أما القتل فيكون من طرف واحد؛ لأن المقتول قد يقتل وهو لا يريد القتل لصاحبه، أما المقاتلة فهي من المدافعة على وزن مفاعلة، أي: كل منهما حريص على قتل صاحبه. وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) فيه أنه لا يجوز للمسلم أن يغدر بأحد، بل يعلمه بأن بينه وبينه حرب؛ ولهذا ذكر هنا أمر المقاتلة، ما قال: أمرت أن أقتل الناس، وإنما: (أمرت أن أقاتل الناس) ، والمقاتلة فيها إشارة إلى وجود الحرب والاستعداد لها، ولهذا قال الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] ، أي: اجعل بينك وبينه أمان إلى أمد، ثم أعلمه أنه بعد زوال هذا الشهر أو الشهرين لا يوجد أمان بيني وبينك، وإنما هي الحرب، وبعد ذلك إن أتيته ليلًا أو نهارًا، سرًا أو جهارًا، يخدعة أو من غير خدعة فإن ذلك لك؛ لأنك أعلمته بذلك، وهذا داخل في باب المقاتلة.