فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 296

ثم انظر إلى ما توحى به صيغةُ الجمع من هذه الحركة الجماعية العجيبة التى يقوم بها هؤلاء الحاقدون في وقت واحدٍ وفى مكان واحدٍ! لكأنهم صُعرٌ حقيقة لتعذر الاتفاق على تنفيذ هذه الهيئة بهذه الطريقة؛ ولذلك استخدم حسان أداة التشبيه كأن التى تؤكد الشبه بين الهيئتين، وقد أسهم النظم في رسم مشاهد هذه الصور الرائعة؛ ففى استخدام الباء في قوله"بأجوافهم"دلالة على التمكن والاستقرار والالتصاق، ثم لاحظ تلاؤم الظلال الصوتية فكما أن للقدور التى شبَّه صدورهم بها صوتًا وأزيزًا، فصدور هؤلاء الحاقدين تضطَّرب حقيقةً أحيانًا، يظهرُ اضطرابُها في زفراتِ الحقد والغيظ التى تخرج من حناجرهم وتتردَّد في صدورهم، وللجِمَال أيضًا صوتٌ مضطرب متقطّع تصدره أحيانا، ولاحظ التناسب بين"الجمر"والمقابل للحقد في نفوسهم وبين اللهب الذى تغلى به القدر. فكلاهما سبب في الغليان، وبذلك يكون اختيار عناصر الصورة - التى تبرزها وتوضحها تمام الإيضاح - هو اختيار واعٍ لا يأتى بمحض المصادفة، وفيه رد على من يقول"بأنَّ شعراء المسلمين ومنهم حسَّان لم يستطيعوا أن يصوغوا المعانى الإسلامية في شعرهم إلا بطريقةٍ فاسدةٍ متكلفةٍ قوامها نقل الآيات ونظمُها نظمًا فاسدًا" (1)

وما أجمل تقديم المسند (الجار والمجرور) "بما فيها لنا""بما فيه من اللهب"، حيث يوحى تقديم المسند في الأول"يجيش بما فيها لنا الغلى"يوحى التقديم بذاتية الاشتعال فالاشتعال وسبب الغليان ليس نارًا خارجية وليس م، وقدًا مسلطًا على صدورهم، وإنَّما هى نارٌ داخلية ,نار الحسد والحقد تمُوج وتضطرب في صدورهم فالباء فى"بما فيها"أرى أنها للسببية، ويوحى تقديم المسند في الجملة الثَّانية"يجيش بما فيه من اللهب القدر"بانتقال الحركة والاضراب من المظروف إلى الظرف فكأنَّ هذا الإناء"المشبه به"والذى يغلى فيه الماء كأنه انتقلت إليه تلك الحركة المضطر به،

فجعلت تهزُّه هو الآخر وتجعله يتأرجح على الموقد، وهى صورة نراها في الأوانى التى تغلى إذا لم تكن على قاعدة مستوية، والباء هنا مع"ما"الموصولة أفادتنا عموم الحركة وشمولها للظرف والمظروف.

(1) الهجاء والهجاؤن في الجاهلية الأستاذ / محمد محمد حسين ص 7 ط مكتبة الآداب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت