لقد كان أكثر ما يؤرِّق العربى في الجاهلية هو أن يُهجى بقصيدة تتناقلها الألسن، فتنتشر بين الناس حاملةً صفةً خِلقيةً أو خُلقيةً يعيَّر بها، فالشعر بحقٍ كان يرفع أناسًا ويخفض آخرين، فلما جاء الإسلام لم يتغيَّر الوضع وظلَّ الشعر محتفظًا بسلطانه، وظل للهجاء أثرُه كسلاح ماضٍ له أثره (1) وذلك؛ لأنَّ"نهج الشعر الإسلامى ظلَّ كالشعر الجاهلى طريقةً ومعنىً وجزالة عبارةٍ وفخامة لفظٍ" (2)
ولذلك فإن الشعر كان سلاحًا من أمضى الأسلحة في المعركة بين الوثنية والتوحيد وإنَّه ظل محتفظًا بكل سلطانه على وجدان العرب" (3) "واتخذت المواجهة فن الهجاء، في شكله المعدل، دون إيغال في ذكر معايبهم على نحو ما كانوا يفعلون قبل ذلك" (4) "
ومع ذلك فقد وُجد بعضُ الهجاء الذى يتعرَّض للأعراض كبعض هجاء حسَّان - ولعله من الشعر الموضوع عليه لأنَّه سِبابٌ محضٌ - الأمر الذى دفع الأستاذ محمد محمد حسين إلى القول بأنَّ"هجاء الشعراء قد ظلَّ متمسكًا بالنَّهج القديم في نهش الأعراض وقذف الناس" (5) إلا أن الهجاء بالأنساب والأحساب كان ضروريًا مع الهجاء بالكفر والشرك.
وقد أدَّى الهجاء دوره المنشود حق الآداء"وإذا أصاب النَّبَّال بنبله الجسوم أصاب الشاعر بكلماته النفوس، بتخذيل الأعداء وتحميس الأولياء" (6) ، وقد تنوع الهجاء فهناك الهجاء بالسَّفه والجهل - والهجاء بالكفر - والهجاء بالحقد والغيظ - والهجاء بضعة الأصل - والهجاء باللؤم ويلاحظ أن حسَّان كان له السبق في هذا الميدان؛ لذلك كثرت المقطوعات التى حلَّلتها له في الهجاء.
والآن مع تحليل أبيات الهجاء
(1) راجع هذا الموضوع ص (15) من هذا البحث"أثر الإسلام في معانى الشعر".
(2) النقد الأدبى عند العرب د/ طه أحمد إبراهيم ص 90 ط دار الكتب العلمية - بيروت ط أولى 1409 هـ /1989 م. (3) قيم جديدة للأدب العربي د/ بنت الشاطئ جـ 1/ 59 ط دار المعرفة 1961 م
(4) التحول الشعرى في عصر البعثة المحمديه د / صفوت زيد ص --35 - ط التركى بطنطا