(1) تاريخ آداب العرب مصطفى صادق الرافعي 2/ 168 ط أولى، مطبعة الاستقامة القاهرة 1940 م
(2) في ظلال القرآن ج 3 ص 1350
طلَع نور الإسلام على الدنيا مبدِّدًا الظلمات؛ فاستنارَ به كلُّ شئ؛ فمَحا ما يتنافى مع ما جاء به، وهذَّب أشياءَ وقوّمها، بحيث تتفق مع ما جاء به من العقيدة السمحة، ومكارم الأخلاق، ومن الأشياء التي هذَّب الإسلام أسسها، وقوَّم سِِنادها، و متنها - ما دامت مُتّفقة مع العقيدة الإسلامية، بعيدةً عن النفاق، والفجور والفحش والكفر - الشعرُ، ولقد وَهِم البعض * أن الإسلام حرَّم الشعر، ونهى عن قوله، مُستندين إلي قوله تعالى:
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) (1)
وهذه الآيات كي نفهم معناها لا بد من وصلها بالآية التي تليها:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) (2)
إن الآياتِ السابقة ليست مانعةً وصادَّة عن قول الشعر، وليست محرِّمة للشعر عامة، وإنما مُوجِّهةٌ ومقوِّمة له كأي شيء جاء الإسلام ووجد فيه زيغًا وضلالًا؛ فإنه يُعدِّل مساره؛ فقد كان الشعراء في الجاهلية لا يتورَّعون عن هجاء من يغضبون عليه ولا يتورعون عن الغزل الفاحش، وقد يمدح الواحد منهم شخصًا من أجل عطاياه، فإذا منعها أمطره بوابل من السِّباب واللعن في هجائه، وهكذا كان الشعراء ملاذًا للغوايةِ والعبث والضلال؛ فجاءت هذه الآيات لتوجِّه الشعر والشعراء إلى الوجهة التي يرتضيها الإسلام، وتحدِّد أهدافه ومراميه، فهذه الأمَّة لم يعد للغوايةِ والعبث واللهو والضَّلال مكانٌ فيها؛ لأنها الأمَّة الخاتمة التي تحمل