إنَّ مشهد الجراح والطعنات وتدفُّق الدماء من هذه الجراح مشهدٌ رئيسٌ مكرَّرٌ في كلِّ المعارك، وقد تناولته ألسنة الشعراء بالوصف، ولكن هناك نوعان من الجراح، جراحٌ توصِّل إلى النَّار وهى جراح مَهينةٌ في سبيل الشيطان، وجراحٌ هى الطريق إلى الجنَّة وهى ما كانت في سبيل الله لهذا"التذَّ العربى وهو يرى نوافذ الجراح توصله إلى طريق الشهادة، حيث الجنان والأرائك وحور العين التى رسمتها آى الذكر الحكيم" (1)
؛ لذلك نرى شاعرا مثل عبد الله بن رواحة يتمنى طعنة نافذة ينال بها الشهادة ويحدِّد صفاتًا معينةً لهذه الطعنة وذلك في قوله (2) [من البسيط]
هذه الأبيات تنمُّ عن نفسٍ مطمئنَّة لما عند الله تطلب الشهادة راجيةً ثواب الله فهو يسأل الله مغفرته، وأن ينال الشهادة بضربة قويةٍ نافذةٍ أو طعنةٍ بحربةٍ، حتى يدعو له كل من يمرُّ على قبره، وقد بدأ الأبيات"بلكن"التى تدل على مخالفة ما بعدها لما قبلها، فبالرَّغم من دعاء الناس له بالسلامة لكنَّه يريد ما عند الله ويطلب الشهادة، والتى صوَّرها بقوله"وضربةٍ ذات فرغٍ تقذف الزبدا"، حيث استعار الفرغ للجرح الناتج عن تلك الضربة التى يتمناها وذلك حتى لا يرجى برؤه منها ولا يطول ألمه.
(1) أثر الإسلام في بناء القصيدة العربية ص 91.
(2) ديوانه ص 147 قصيدة (20) .
(3) ذات فرغٍ / الطعنة الفرغاء: ذات الفرغ وهو السعة / اللسان 11/ 167 مادة (فرغ) .