فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 296

ولموقع الفاء في صدر البيت الأول من المقطوعة بلاغته ,، حيث إنَّها توحى بالسرعة في المجئ وهذا يدل على توق نفوسهم للقاء عدوهم وهذا من كمال القوة والإيمان، وحرف الجر إلى يدل على أن هذه الجموع من المشركين غاية للمسلمين وأن مجئ المسلمين إليهم مقصود ومخططٌ له، وللطباق بين"حاسر ومقنّع"موقعه من هذه الصورة لأنَّهم لما كانوا أحابيش لا أصل يجمعهم، ولا رابط بينهم كانوا مختلفى القلوب، فكأنَّه بالطباق جعلهم مختلفى الهيئات مثلما هم مختلفو القلوب، وتقسيمه إياهم أيضا إلى حاسرٍ ومقنَّع يوحى بالانقسام والتنافر بينهم لأنَّهم جمِّعوا على غير رغبة منهم إلى أمرٍ لا ناقة لهم فيه ولا جمل , فما أجمل المحسنات البديعية عندما تأخذ مكانها من النظم , وتسهم في ظلاله وإيحاءاته يقول الإمام عبد القاهر عن المحسنات البديعة"وههنا أقسامٌ قد يُتوهَّم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أنَّ الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس، إلى ما يناجى فيه العقل النفس، ولها إذا حُقِّق النظر مرجع إلى ذلك، ومنصرف فيما هنالك" (1) وفى البيت الثانى"لا ينسى كعب تحديد الأعداد التى دخلت المعركة فقد بلغ عدد المشركين ثلاثة آلاف، أما عدد المسلمين فلم يتجاوز السبعمائة على أكثر تقدير وهذه الدِّقة في التحديد تعطينا تصوُّرا لتسجيل كعبٍ أحداث الغزوات وأنَّ شعره يمثل الواقعية لتلك الأحداث" (2)

وفى البيت الثَّالث يصوِّر كعب اللقاء بين الفريقين، وأنَّه لقاءٌ دامٍ، حيث جاء باستعارتين مكنيتين غاية في الدِّقة والإبداع الأولى في قوله"تجرى المنيَّة بيننا"، حيث شبَّه المنيَّة بساقٍ يطوف على مجموعة من النَّاس بلغ بهم العطش مبلغه فهو ينتقل بينهم في سرعة، ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو"الجرى", وإثبات الجري"للمنية"استعارة تخيلية، وهي قرينة المكنية.

والاستعارة الثانية في قوله"نشارعهم حوض المنايا ونشرع"، حيث شبَّه المنية بشراب له أحواض ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو الحوض ,

(1) أسرار البلاغة ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت