فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 296

إنّ صورة حسَّان على بساطتها إلا أنَّها موحيةٌ أيَّما إيحاء، فهو يشبِّه هذا الجمع الكافر بجبل حراء، ما أبدع هذه الصورة عندما نرى أنَّها تلتقط مشهدًا في الغداة ومشهدا في وقت الغروب وتجمع بينهما في براعة ودقة، إنَّه الظلام الذى اتَّشح به القوم وكأنَّ قلوبهم نضحت على ثيابهم، كما أن تشبيههم بهذا الجبل وقت الغروب يوحى بقرب زوالهم كما يختفى هذا الجبل خلف أستار الليل مع كبر حجمه وتطاوله ثم انظر إلى تشبيههم وهم جمعٌ كثيرٌ بتلك الكتلة الصخرية المتداخلة الأجزاء، وما يوحى به ذلك من التداخل والتزاحم بين هؤلاء القوم، وقد قذف الله الرُّعب في قلوبهم فكأنَّ كلَّ واحدٍ منهم حريصٌ على أن يتوارى ويحتمى بغيره وكأنَّه يريد أن يختبئ بداخله خوفا، فكأنَّهم سرب من الطيور على الأرض، تتزاحم حتى تحتمى وتستدفئ بغيرها، ثمَّ انظر إلى كلمة"أركانه"هذا الثبات والجمود في وقت الغداة والذى يخيّل للناظر أنهم جماد محدد الأركان وهكذا يكون دائما الجبان الخائف.

كما توحى الكلمة ببروز وتقدم أركان الكفر ورؤوسه على هذا الجمع، فهم الذين لاقوا حتفهم أولًا يوم بدر وما أشبه قلوبهم بحجارة حراء بل إنَّها أشد قسوة فما أروع وما أبدع هذه الصورة في إيحاءاتها ونظمها! واختيار المشبه به، فإنَّ اختيار المشبه به المناسب لإظهار المعانى التى تتعلق بالمشبه من أهم وظائف التشبيه"فإذا كانت حول المشبه معانٍ وأحوالٌ ومشاعرُ وقصد من التشبيه أن يبين عنها وأبان فذلك حسبه" (1)

(1) دراسة في البلاغة والشعر د*/ محمد أبو موسى ص 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت