ومبالغةً في تأكيد هذا المعنى، فقد أورد أكثر من صورة يستدلُّ بها على ما يريد إثباته، فقد صوَّر البون الشاسع بين مجد قومه وبين أمجاد غيرهم من الناس بالتشبيه التمثيلى الذى يشبِّه فيه مجد قومه بماء البحر الكثير النَّقى , ومجد غيرهم بماء الحسى القليل العَكِر، فقد صوَّر فضل قومه وعلو منزلتهم مقارنةً بغيرهم من الناس، بفضل ماء البحر على ماء الحسى، وقد سبق أن بيَّنت أنَّ تشبيه المجد بالماء أو استعارة الماء للمجد فيها دقة وذلك؛ لأنَّ الماء إن لم يحفظ ويبالغ في حفظه فإنه يسهل ضياعه أو تعكيره وكذلك المجد" (1) ."
وحسَّان هنا يشيرإلى ثبات الفارق بين مجد قومه ومجد غيرهم من الناس ,وذلك؛ لأنَّ ماء الحسى العكر يظلُّ عكرًا, حتى وإن حاول أحد أن ينقِّيه فإنَّ رائحته الكريهة تظلُّ عالقةً به , ثم يصوِّر بالاستعارة التمثيلية قومه في رفعتهم وعلوِّهم بذرى الإبل وغيرهم بالأذناب فمن يسوِّى بينهم، وبين غيرهم يكون كمن يسوِّى أذناب الإبل بذراها، وتوحى هذه الصورة بأن قومه قادة مقاديم / لأنَّه شبههم بالذرى، وذرى الإبل رؤوسها، وتكون في مقدمتها وأذنابها في مؤخرتها فقد جمع لقومه في هذه الصورة بين العلو والقيادة والتقدم، وفي الاستفهام"ومن يعدل الأذناب ويحك بالذرا"سخرية واستهزاء بمن يسوى بين قومه وغيرهم، ثم يتصاعد بالفخر أكثر وأكثر بالاستعارة التمثيلية , فيصوِّر علو قدر قومه ونأيهم على من يريد اللحاق بهم - بأنَّهم كنجمٍ في السماء ومن أراد أن يلحق بهم فكأنمَّا يريد أن يمسك هذا النجم بيده ,، وقد جمع لقومه في هذه الصورة بين علوهم، واستحالة إدراك الناس لمجدهم.
ويلاحط أن حسان تدرج في تصوير هذا المعنى (رفعة قومه) ومجد غيرهم فبدأ بالموازنة بين شيئين مستويين في المكان والجنس فماء البحر وما الحسى كلاهما على الأرض، ولكن شتَّان ما بينهما، وكذلك قومه يعيشون مع الناس وهم من جنسهم، ولكنَّهم يختلفون عنهم فىنقاء مجدهم وكثرته كما يختلف ماء البحر عن ماء الحسى في النقاء والكثرة، وهكذا يتَّضح الغرض من هذا التشبيه وأمثاله وهو بيان الإمكان فتفوُّق قومه وعلوِّهم على غيرهم من الناس مع أنَّهم من جنسهم , دعوى تحتاج إلى برهانٍ يبيِّن إمكان هذه الدعوى.