الصورة الأولى لكعب بن مالك يشبه فيها إحكام مسامير الدروع والتصاقها بمتنها حتى إنَّها لتبدو للناظر إليها جزءا منها بحدق الجنادب , وهي صورة تركِّز على شدة الإحكام (4) والصورة الثانية لكنانة بن عبد يا ليل، وألمح فيها لفتة جميلة وصورة دقيقة فطن إليها كنانة وهي أنِّ مسامير الدروع مع أنَّها فوق صفحةٍ لامعة شديدة اللمعان والبريق إلا أنّها لبروزها عن سطح الدروع ولشدة لمعانها - (المسامير) - تبرق عند سقوط الضوء عليها , وكأنها نجوم السماء , ولو أنَّه خصَّ هذه الهيئة وقيَّدها بوقت الصبح حين يدبر الليل ويقبل النهار لاكتملت الصورة براعة، ولعلَّه أراد ذلك ولم يصرح به في الكلام،؛ لأنَّ هذه الهيئة لا تكون إلا في هذا الوقت عندما يظهر لون السماء الأزرق مختلطٌ ببقية من سواد الليل وتظهر معه بعض النجوم قوية الضوء.
أما صورة أبي العلاء فقد استخدم الصورة التقليدية وهي تصوير مسامير الدروع بعيون الجراد ووجَّهها وجهة ساخرة، حيث إنِّه يسخر ممن أخذ درعه التي كانت رهنًا عنده ورفض ردَّها إليه، وهكذا نرى أن الشاعر الحاذق"حين يقع على هذه التشبيهات في شعره عليه أن يضيف إليها من فنّه ما يجددها به" (5) ؛ فهو يتهكَّم بصاحبه ويعلل أخذه درعه وأكله إياها بعلة غير حقيقة وهي أنَّه حسبها عيون جراد في زمن القحط، وصورة أبى العلاء بما فيها من ابتكار وتجديد أحسبها أفضل الصور الثلاث تليها صورة سيدنا كعب بما فيها من دقَّة وتفصيل.
(1) ديوانه ص 145 (2) سيرة ابن هشام 4/ 81 ... (3) شروح سقط الزند 4/ 1713. (4) انظر ص (96 ... ) من هذا البحث ... (5) دراسة في البلاغة والشعر د / محمد أبو موسى ص 140.