فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 296

وقد يقول قائل: أليس هذا مناقضًا لتنزيهه - صلى الله عليه وسلم - عن قول الشعر؟! أقولُ: فرقٌ بين أن يستنشده، ويحثَّ عليه، ويسمعه ويستحسنَه فَيُجِيزَهُ، وبين أن يقوله فيَسُنَّه، وقد استلهمت من كلام الإمام العلاَّمة عبد القاهر الجرجاني سببًا في إجازة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قول الشعر وروايته وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُرِدْ أن يُغلق الباب أمام رواية الشعر وقوله؛ لأنَّ روايته وقوله سيعود على الإسلام بفائدة عظيمة، وهى استبيان معجزة القرآن وبلوغ حجة الله، يقول رحمة الله في معرض التَّقريع لمن ذمُّوا النَّحو والشِّعر لضعف هممهم:"وذاك أنّا إذا كنَّا نعلم أنَّ الجهةَ التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، ودانت وبهرت هي أن كانت على حدٍّ من الفصاحة تقصُر عنه قوّة البشر، ومنتهيًا إلي غايةٍ لا يُطمَح إليها بالفكر، وكان مُحَالًا أنْ يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشِّعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشكّ أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيهما قصب الرِّهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل وزاد بعض الشِّعر على بعض، كان الصَّادُّ عن ذلك صادًّا عن أن تُعرف حجةُ الله، وكان مثلُه مثلَ من يتصدَّى للناس، فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالي، ويقوموا به ويُقرِئُوه". (1)

إذن فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد أن ينصرف النَّاس عن الشعر؛ لأنَّه أسمى صورَ البيان العربي، ومن أراد أن يدرك الهُوَّة بين الإعجاز الإلهي والتعبير البشري - وأن الله سبحانه وتعالي لم يتحدَّ عَجَزةً، وإنما تحدى أرباب فصاحةٍ وبلاغةٍ وبيانٍ ودقةٍ ومهارة ٍلغويةٍ - فلْينظر في الشعر الذي هو ثمرة عقول العرب وديوانهم، وشاهد حضاراتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت