فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 296

أثرُ الإسْلام في مَعاني الشّعر

من المعلوم والمتوقَّع أن نظامًا جديدًا قَلَب الضلالات الجاهلية رأسًا على عقب، وغيّر معتقداتها وقيمها وعاداتها، طبيعيٌّ - أن مجيء الإسلام وما واكبه من تعاليمٍ سمحةٍ وقيمٍ أخلاقيةٍ رفيعةٍ تنبع من القرآن الكريم والأدب النَّبوي المتمثِّل في الحديث الشريف - أن يؤثٍِّر هذا التحوُّل الديني والثقافى والأخلاقى في الشعر , خاصَّة أنَّهم رأوا البَوْن شاسعًا بين نور الإسلام، وظلماتِ الجهل، والجهالة الوثنيَّة فذاقوا حلاوة الإيمان؛ فانطبعت أشعارهم بهذا النور، كما انطبعت وتأثرت به قلوبهم، فجاءت أشعارهم متأثِّرة بقيم الإسلام ومبادئه، ومن يتصفَّح دواوين شعراء الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وشعراء صدر الإسلام عامَّة يرى أسلوبًا جديدًا في الفخر والهجاء والمدح، فبعد أن كان الفخر بالآباء والأجداد والأيام أصبح الفخر باتباع دين الله ورسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم - هو أساس الفخر، وبعد أن كان المدح بالكرم والشَّجاعة والصفات الأخرى من قوة وبطش، انضم إليها المدح بالإيمان والأخلاق الحسنة المستمدَّة من الإسلام.

"والنظرة الناقدة لا يخطئُها أنْ تلمح أثرًا إسلاميًّا في المعاني الشعرية في شعر من لم يسلم من أهل هذا الصدر" (1) غير أن طبيعة الهجاء في تلك الفترة اقتضت أن تظل فيه الروح الجاهلية من التعيير باللؤم والأيَّام والتنابز بالألقاب، الأمر الذي دفع الدكتور محمد محمد حسن إلى القول بأنَّ"هجاء الشعراء ظل متمسكًا بأسلوبه القديم في نهش الأعراض وقذف الناس بأحسابهم وأنسابهم" (2) لقد كان هناك داعٍ للرَّد على المشركين بمثل هجائهم.

وأحسب السبب في ذلك أنَّهم - أىْ المشركون - لا يعنيهم ولا يؤثِّر فيهم مثقال ذرةٍ أن يُعيَّرُوا بالكفر والشرك، لأنَّهم لا يؤمنون بهذا الدين، وإنما الذى كان يوجعهم ويؤلمهم وكان"أثرُه في نفوسهم لا يقلّ عن أثر السيوف في أجسادهم" (3) هو الهجاء بالأنساب والأعراض لحرص العربي على أن يكون حسيبًا مصون العرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت