الصورة
تعدّدت وجهات النَّظر في تحديد هذا المصطلح، فأبسط دلالة لكلمة الصورة
"وأقربها إلى الأذهان هو دلالتها على التجسيم، أو على الأشياء القابلة للرُؤْية البصرية" (1) ، وهذا المفهوم هو ما كان عليه القدماء من البلاغيين، فالتَّصوير عندهم لم يكن مقتصرًا على أساليب علم البيان (التشبيه، والمجاز، والكناية) ، وإنما كان يشمل التَّعبير بالحقيقة أيضا، فمعناه عندهم"هو معناه عند اللغويين" (2) ، يدلُّ على ذلك أن المتأخرين من علماء البلاغة العربية تحدّثوا عن الصورة كمرادف للمعنى" (3) "
أمّا الإمام عبد القاهر فإن المصطلح عنده أكثر تحديدًا، حيث جعل الصورة"تمثيلٌ وقياسٌ، لما نعلمه بعقولنا على الذى نراه بأبصارنا" (4) ؛ فهو هُنَا في هذا الموضع يتحدَّث عن تصوير المعانى الذِّهنية كلّها"؛ فالصورة في كلامه يعنى بها عملية النَّظم يتِّضح ذلك جليّا في قوله:"واعلم أنّ قولنا الصورة، إنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس، تكون من جهة الصُّورة فكان تبيُّن إنسان من إنسان وفرس من فرس، بخصوصيَّة تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقًا عبّرْنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأنْ قلنا للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك، وهو يريد بهذا الكلام اختلاف المعنى المُدْرَك من الِفِقْرة أو البيت باختلاف طريقة نظمه وإن اتَّحدت كلماته، وهو هنا يوضح مقصده ويبيِّنه بمثال وقياس على المحسوسات فالأمور الحسّيّة يُميّز بين المتشابه منها بالصورة.
وكذلك يميّز بين المعاني المتقاربة - حتى وإن اتحدث الكلمات التى عبرت عنها - بالنظم أى باختلاف هيئة ترتيب الكلمات، واختيار حروف المعانى ومواضعها والتقديم والتأخير، وهو ما يُعدُّ لثباته كالصورة التى هى من خصائص المحسوسات.