قال الطحاوي [1] -رحمه الله تعالى-: قال هذا القائل: فلو كان ما في الحديث الأول كما رويتموه لكان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد أنكر على من ترك القول الذي في الحديث الأول لمن دعا بما دعا به في الحديث الآخر.
قال الطحاوي [2] -رحمه الله تعالى-أيضًا: (فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ما في الحديث غير مخالف لما في الحديث الأول؛ لأن الذي في الحديث إنما هو الدعاء بأهل الهجرة إلى الله، وإلى رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وأهل النصرة لله عز وجل ولرسوله، فلم يكن ذلك كالدعاء إلى رجل جاهل من أهل النار، كافر بالله ورسوله، فجاء فيمن دعا إلى الجاهلي ما في الحديث الأول، ولم يجئ مثله فيمن دعا إلى مهاجر إلى الله عز وجل، وإلى رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وإلى ناصر لله عز وجل ولرسوله، فإن قال: ففي هذا الحديث:"ما بال دعوى الجاهلية"، قيل له: لأن قوله: يا للمهاجرين، وقول صاحبه: يا للأنصار شبيه بقول أهل الجاهلية: يا لفلان، فكره رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ذلك القول ممن قاله إذ كان الله عز
(1) -والطحاوي نسبة إلى طحية قرية بصعيد مصر، وقد ذكره السيوطي في: (حسن المحاضرة) في حفاظ الحديث وقال: كان ثقة فقيهًا، لم يخلف بعده مثله انتهت إليه رياسة الحنفيه بمصر.
واسمه: أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي الأزدي الحنفي المصري إمام جليل مشهور في الآفاق ذِكره ولد سنة: (230 هـ) وتوفي سنة: (321) وكان يقرأ على المزني الشافعي وهو خاله وكان الطحاوي يكثر النظر في كتب أبي حنيفة فقال له المزني: (والله لا يجيء منك شيء) ، فغضب وانتقل من عنده وتفقه على مذهب أبي حنيفة وصار إمامًا فيه، فكان إذا درَّس أو: أجاب في شيء من المشكلات قال: (رحم الله خالي، لو كان حيًا لكفر عن يمينه) .
قال المحدث الألباني-رحمه الله-معرفًا بأبي جعفر الطحاوي في: (الآيات البينات) (ص:75) : (هو أحمد بن محمد بن سلامة المصري، من كبار أئمة الحنفية الجامعين بين الفقه والحديث، وله الباع الطويل في حفظ متونه وأسانيده، يجد عنده الباحث من الحديث ما لا يجد عند غيره من الحفاظ، على تساهل في الاحتجاج به، وتعصب لمذهبه، كما شهد بهذا الثاني أبو الحسنات اللكنوي في:(الفوائد البهية) (33) ، وبالذي قبله شيخ الإسلام ابن تيمية في: (منهاج السنة) وغيره توفي سنة:"321 هـ"). انظر: (شفاء التبريح من داء التجريح) (ص:1083) تحت عنوان: (فائدة في بيان أن الطحاوي ليس من عادته نقد الحديث؟) .
(2) -قال شيخ الإسلام في: (المنهاج) (4/ 194) : (ليست من عادة الطحاوي نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في:(شرح معاني الآثار) الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة، ويكون أكثرها مجروحًا من جهة الإسناد لا يثبت، ولا يتعرض لذلك، فإنه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهًا عالمًا).