أتقدم بجزيل الشكر والتقدير وفائق الاحترام لفضيلة شيخنا العلامة أبي أويس سيدي محمد بوخبزة الحسَنِي-حفظه
(1) -وما درج عليه الكتاب والمؤلفون من كتابة: (إهداء ثواب كتبهم لآبائهم، أو: لشيوخهم) ، لم يكن من عمل السلف الصالح، وقد سبق أن قلت في هامش: (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) (ص:19) الطبعة الأولى، أو: (ص:20) الطبعة الثانية: (كتابة:(إهداء الثواب) في أول الكتب أو: في آخرها لم تكن من عمل السلف، ولا هي سنة نبوية، وهذه كتب السلف بين أيدينا لا تجد في أولها ولا في آخرها ذكرًا للفظة: (إهداء الثواب) .
والأفضل كتابة: (شكر وتحية وتقدير) . إن كان المعني بذلك حيًا، وإن كان ميتًا فكتابة: (اللهم اغفر له وارحمه) ، بدل إهداء ثواب عملك للميت وأنت لا تملكه، و (فاقد الشئ لا يعطيه) .
قال المحبوس عمر الحدوشي: أثناء قراءتي لكتب المحدث الألباني-رحمه الله-داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان وقفت على كلام عجيب، وصدوره من الألباني المعروف بدفاعه المستميت عن عمل السلف غريب جدًا، وهو قوله-في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (2/ 874/رقم:484 - إذا مات ابن آدم انقطع عمله. الحديث) : (وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه، لأنه من سعيهما وليس له ذلك عن غيرهما) !!.
فلما سألت فضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة عن هذا الكلام الغريب؟ قال: هذا خطأ من شيخنا الألباني-رحمه الله-لا نوافقه عليه، أو: كما قال. انتهى من كتابي: (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) (ص:977) .
وقال شيخنا العثيمين-رحمه الله تعالى-في: (مجموع فتاوى العقيدة) (2/ 305) : وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (مجموع الفتاوى) (24/ 315/366) -في قراءة القرآن للميت:(إن ثوابها يصل إليه فقد ذكر أن في هذه المسألة قولين للعلماء، ثم رجح القول بوصول ثواب قراءة القرآن للميت فقال-رحمه الله تعالى-تعالى:"وأما الصيام، وصلاة التطوع، وقراءة القرآن فهذا فيه قولان للعلماء:"
الأول: ينتفع به، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة وغيرهما.
الثاني: لا تصل إليه وهو المشهور في مذهب مالك.
ثم قال-رحمه الله-في فتوى له: وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والصواب: أن الجميع يصل إليه، أي: يصل ثوابها إلى الميت) .
والشرط في وصول ثواب قراءة القرآن للميت أن لا تكون قراءة القارئ للميت بعرض مادي؛ لأنها إن كانت كذلك فلا ثواب فيها، وبالتالي لا يوجد ثواب يُهدى إلى الميت وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأما الاستئجار لنفس القراءة-أي: قراءة القرآن-والإهداء، فلا يصح ذلك، لأنه لا يجوز إيقاعها إلا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق، لأن الله تعالى إنما يقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا."
ثم قال-رحمه الله تعالى-: وأما إذا كان لا يقرأ القرآن إلا لأجل العروض-أي: الأعواض المادية-فلا ثواب له على ذلك، وإذا لم يكن في ذلك ثواب فلا يصل إلى الميت شيء؛ لأنه إنما يصل إلى الميت ثواب العمل لا نفس العمل.
قال شيخنا العثيمين-رحمه الله تعالى-يرى جواز إهداء ثواب القراءة للميت، وأن ذلك يصله وينتفع به إن شاء الله، وإنما الذي لم يجوزه هو الاجتماع عند القبور والقراءة عليها، وأن الأولى اجتناب لفظ الفاتحة على روح فلان ونحوها من الألفاظ المحتملة التي اشتهرت عن بعض أهل البدع. وهذا الذي قاله الشيخ هو مذهب الجماهير من أهل العلم والمحققين).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (مجموع الفتاوى) (24/ 296/298) ، وعنه شيخنا محمد بن علوي المالكي في: (تحقيق الآمال في ما ينفع الميت من الأعمال) : (فالقراءة عند الدفن مأثورة في الجملة، وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر والله أعلم) .
وما ذهبوا إليه هو خلاف السنة، ولو كان خيرًا لسبقنا إليه الصحابة والتابعون، وكل ما يروى عنهم لا يصح.