(تخريج حديث:(من تعزى بعزاء الجاهلية)
و (سلاح اللآم قبيح الكلام) :
أما بعد: فـ (من قل علمه كثر اعتراضه) ، أو: قل: (من قل علمه كثر لغطه) ،أو: (من قل علمه كثر خطؤه) ، و (لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف) ، و (من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب) ، لأن لكل علم أهلَه، ولكل فن فرسانَه، و (فاقد الشئ لا يعطيه) ، (طبيب يداوي الناس وهو مريض) ، لا تعترض قبل أن تفهم، ولا تفتح اللجام لعقلك الجموح، بل: قيده بالشرع، والمستجدات العصرية ينبغي أن تكون تابعة للشرع وليس العكس، واسمحوا لي أن أقف برهة من الزمان في هذا الفصل مع تصحيح وتخريج حديث رائع.
قبل الشروع في محاورة ومناقشة غلاة الصوفية، والأستاذ عبد السلام ياسين-هدانا الله وإياه إلى الصواب-أود أن أقول لكم في البداية من وراء القضبان: بأنني كنت قد قلت كلمةً شديدة اللهجة في كتابي: (حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع ... ) (ص:170) تحت عنوان: (هل معاوية من أهل الجنة؟ وكيف؟) .
ردًا على ما جاء في كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين الذي أسماه: (الشورى والديمقراطية) (ص:252) ، حيث زعم وقال-غفر الله لنا وله-: (إن أبا سفيان، أبَ معاوية، كان وقع زمن الجاهلية على سمية وزنى بها، وأن زيادًا ابنه من الزنى، فاستلحقه معاوية بنسبه، وأمَّره على البصرة ثم الكوفة، وكان من دعائم الدولة الأموية هو ابنه عبيد الله من بعده) .
قلت: وهذه من جاهلية الأستاذ عبد السلام ياسين فلنتعامل معه بما رواه أحمد في: (مسنده) بلفظ: (من تعزى [1] بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن [2]
(1) -قالت أم الفضل: التعزي: الانتماء والانتساب للقوم، حزبًا كان أو: قبيلة، والعزاء والعزوة بكسر المهملة اسم لدعوى المستغيث. انظر: (النهاية) (3/ 233) .
(2) -قوله: (فأعضوه) : أي: اشتموه صريحًا، من العضو وقوله:"بهن أبيه": أي: قولوا له: عض أير أبيك، والهن: كناية عما يستقبح، وهو عورة الرجل والمرأة.
وقد قلت في كتابي: (التوضيحات الجلية في حل ألفاظ الأجرومية) (ص:547) : الهن: هو عبارة عن ما يستقبح التّصريح به مطلقًا.
س: لماذا قلنا مطلقًا؟ ج: لأنّ فيه الرّدّ على ابن هشام حيث ذكر في: (قطر النّدى) أنّ (الهن: عن الفرج خاصّة"، والصواب أن يقال: إن الهن هو عبارة عن كل ما يُستقبح من عورة الرّجل والمرأة معًا، لكنّ ابن هشام خص به عورة المرأة فقط، وهذا غير صحيح، لأنه كما يشمل عورة المرأة يشمل عورة الرّجل أيضًا."
والدّليل على ما قلنا هو: حديث الرّسول-صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-الذي رواه الإمام أحمد في: (مسند) - (بإسناد صحيح) -من حديث أبيّ بن كعب بلفظ: (من تعزّى بعزاء الجاهليّة .... الحديثَ) .
والشّاهد أنّ الرّسول-صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-أتى بلفظة: (مَن) وهي من صيغ العموم فلذلك يشمل الذّكر والأنثى، ولهذا قلنا: (الهن) : (عبارة ما يستقبح التّصريح به مطلقًا ليشمل عورة الرّجل والمرأة معًا) .
وقوله: (ولا تكنوا) : تقول: كنيت عن الأمر، وكنوت عنه إذا ورَّيت عنه بغيره. انظر: (النهاية) (3/ 233/255) ، و (4/ 207) ، و (5/ 278) .