فهرس الكتاب
والإرب أي: الحاجة وهي من قولِ اللهِ - سبحانه وتعالى - على لسان موسى - عليه السلام - لما سأله ربُّه - سبحانه وتعالى - عن عصاه: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه 18) .
مأرب أخرى أي: حاجات أخرى.
ومعنى يملك إربَه في الحديثِ أي: كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَضْبِط نَفْسه عِنْد الْمُبَاشَرَة عَنْ الْفَرْج وَيَثِق مِنْهَا بِاجْتِنَابِهِ، أضف إلى ذلك أنه عُلم بالضرورةٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أوتى تمامَ الخلقِ، ومعالي الهمم فمعرفة أنه من أملك الناس لشهوته ... جاء في صحيح البخاري برقم 260 قال أنس - رضي الله عنه:"كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ".
قلتُ: إن قولَ أنسٍ - رضي الله عنه - في الحديثِ كان على سبيلِ المبالغةِ في القوةِ لا أكثر.
إذًا: كان هذا أمرًا مفروغًا منه، ومعلومًا عند الجميع ....
ثم إننا لم نسمع أن واحدًا من الصحابة - رضي الله عنهم - أو المنافقين أو المشركين أنكر على عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ما قالته، وفهم كما فهم المعترضون ...
ثانيًا: إن ما يُدعم ما سبق هو ما قاله ابنُ حجرٍ في الفتحِ في قولِها: (يَمْلِك إِرْبه) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة، قِيلَ الْمُرَاد عُضْوه الَّذِي يَسْتَمْتِع بِهِ، وَقِيلَ حَاجَته، وَالْحَاجَة تُسَمَّى إِرْبًا بِالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُون وَأَرَبًا بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالرَّاء، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحه أَنَّهُ رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَنْكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَر كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيّ وَغَيْره عَنْهُ رِوَايَة الْكَسْر، وَكَذَا أَنْكَرَهَا النَّحَّاس. وَقَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَة الْكَسْر، وَتَوْجِيههَا ظَاهِر فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا، وَالْمُرَاد أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَمْلَك النَّاس لِأَمْرِهِ، فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْره مِنْ أَنْ يَحُوم حَوْل الْحِمَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِر فَوْق الْإِزَار تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَة الْمَالِكِيَّة فِي بَاب سَدّ الذَّرَائِع. وَذَهَبَ كَثِير مِنْ السَّلَف وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق إِلَى أَنَّ الَّذِي يُمْتَنَع فِي الِاسْتِمْتَاع بِالْحَائِضِ الْفَرْج فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن مِنْ