لا يأمن الحافظ الزلل وإن جد حفظه وحسن ضبطه فالرجوع إلى كتب الأستاذ آية إتقانه لا جرح فيه ومن ذلك طعنهم بالتدليس وذلك أن تقول حدثني فلان عن فلان من غير أن يتصل الحديث بقوله حدثنا أو أخبرنا وسموه عنعنة لأن هذا يوهم شبهة الإرسال وحقيقته ليس بجرح على ما مر شبهته أولى ومن ذلك طعنهم بالتلبيس على من كنى عن الراوى ولم يسمه ولم ينسبه مثل قول سفيان الثوري حدثني أبو سعيد وهو يحتمل الثقة وغير الثقة ومثل قول محمد بن الحسن رحمه الله حدثني الثقة من أصحابنا من غير تفسير لأن الكناية عن الراوى لا بأس به صيانة عن الطعن فيه وصيانة للطاعن واختصار وليس كل من اتهم من وجه ما يسقط به كل حديثه مثل الكلبي وامثاله ومثل سفيان الثوري مع جلال قدره وتقدمه في العلم والورع وتسميته ثقة شهادة بعدالته فأنى يصير جرحا ووجه الكناية أن الرجل قد يطعن فيه بباطل فيحق صيانته وقد يروى عمن هو دونه في السن أو قرينه أو هو من أصحابه وذلك صحيح عند أهل الفقه وعلماء الشريعة وإن طال سنده فيكنى عنه صيانة عن الطعن بالباطل وإنما يصير هذا جرحا إذا استفسر فلم يفسر ومن ذلك ما لا يعد ذنبا في الشريعة مثل ما طعن الجاهل في محمد بن الحسن رحمه الله لأنه سأل عبد الله بن المبارك أن يقرأ عليه أحاديث سمعها فأبى فقيل له فيه فقال لا تعجبني أخلاقه لأن هذا إن صح فليس به بأس لأن أخلاق الفقهاء تخالف أخلاق الزهاد لأن هؤلاء أهل عزلة وأولئك أهل قدوة وقد يحسن في منزل القدوة ما يقبح في منزل العزلة وينعكس ذلك مرة وقد قال فيه عبد الله بن المبارك لا يزال في هذه الأمة من يحمي الله به دينهم ودنياهم فقيل له ومن ذلك اليوم فقال محمد بن الحسن الكوفى ومثال ذلك من طعن بركض الدابة مع أن ذلك من أسباب الجهاد كالسباق بالخيل والإقدام ومثل طعن بعضهم بالمزاح وهو أمر ورد الشرع به بعد أن يكون حقا لا باطلا إلا أن يكون أمرا يستفزه الخفة فيتخبط ولا يبالي ومن ذلك الطعن بالصغر وذلك لا يقدح بعد ثبت الاتقان عند التحمل والبلوغ والعدالة عند الرواية مع ما تقدم ذكره وذلك مثل حديث ثعلبة ابن صعير العذرى في صدقة الفطر أنها نصف صاع من حنطة ألا ترى أن رواية ابن عباس لصغره لم تسقط ولذلك قدمناه على حديث أبي سعيد الخدري في صدقة الفطر أنها صاع من حنطة لأنهما استويا في اتصال وهذا ثبت متنا من حديث أبي سعيد وقد انضاف إلى ذلك رواية ابن عباس أيضا ومن ذلك