فهرس الكتاب
غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع)، فلما كان يوم أحد وأنكشف المسلمون فقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-) ، ثم تقدم فأستقبله سعد بن معاذ، فقال: (يا سعد بن معاذ؛ الجنة ورب النظر .. الجنة ورب النظر .. إني أجد ريحها دون أحد) ، قال سعد: فما استطعت يارسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمج أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، فقال أنس: كنا نرى أو نظن، أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] .
ونجد هذا المعنى من معاني الانتصار في الحديث الذي رواه خباب عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعوا لنا؟) ، قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب ما يصده ذلك عن دينه) .
ومن أنواع النصر الخفي الذي لا يراه إلا المؤمنون؛
أن عدو الحق مهما كان متجبرًا مسرفًا في معاملة خصمه إلا أنه يتجرع ألوانًا من الأذى المعنوي والعذاب النفسي قبل أن يقدم على إيذاء خصمه، بل وأحيانًا بعد أن يفعل فعلته فإنه لا يجد للراحة مكانًا، ولا للسعادة طعمًا.
ولذا؛ فإن الحجاج بن يوسف عندما قتل سعيد بن جبير ذاق ألوان العذاب النفسي، حتى كان لا يهنأ بنوم، ويقوم من فراشه فزعًا ويقول: (مالي ولسعيد؟) حتى مات وهو في همه وغمه.